صوت العدالة: مكتب مراكش
حين يُبنى الحزب على كتفي رجلٍ واحد، لا على أكتاف فكرة، يصبح البُكاء برنامجاً سياسياً غير مُعلن، وتتحول الدموع إلى بيانٍ تنظيميٍّ يُقرأ في كل محطة..
وحين يملك ذلك الرجل السلطة والمال والنفوذ، فإن الفقد لا يكون سياسياً فقط، بل عاطفياً أيضاً؛ كأن حزباً بأكمله اكتشف فجأة أنه كان يعيش في ظلّ شخص، لا في ظلّ مبدأ.
قلتُها يوماً، وسأكررها دائماً: في المغرب ثوابتٌ لا تتغير “الله،الوطن،الملك”، وكل ما عداها قابلٌ لأن يتبدّل كفصول السنة.. ومنذ سنة 2016، صار حزب الأحرار يدور في فلك اسمٍ واحد، حتى بدا وكأنه كوكبٌ فقد جاذبيته في اللحظة التي ابتعد فيها عنه مركزُ الجاذبية.. لذلك كان الوداع قاسياً، لا لأن الرحيل مستحيل، بل لأنه جاء كالسكتة القلبية: مفاجئاً، صامتاً، وغير قابلٍ للتصديق في لحظته الأولى..
السياسة في صورتها النبيلة ذاكرةٌ تتراكم، لكن ما يحدث أحياناً هو أن الذاكرة تُمحى بقرارٍ تنظيمي، والتاريخ يُطوى كما تُطوى رسالة قديمة لم يعد صاحبها يريد قراءتها..
وحين يتحول الحزب إلى آلةٍ دعائيةٍ تدور حول شخص، يصبح يتمُه السياسي حتمياً في لحظة غيابه، ويرحل الذين كانوا أوفياء للرجل لا للفكرة، لأنهم ببساطة لم يكونوا يعرفون الفرق بين الاثنين..
يقولون أن السياسة هي فنُّ الممكن.. لكنها قبل ذلك امتحانُ الأخلاق حين تضيق المسافات بين الطموح والضمير، غير أن ما نراه اليوم يبدو أقرب إلى انتحارٍ للذاكرة، كأن تاريخ الأحزاب يُمحى على عجل، وكأن المال اقتحمها في وضح النهار ليقوم بسطو مسلح، بينما يقف المتفرجون في هيئة مناضلين يصفقون، لا لأنهم مقتنعون، بل لأن الرئيس غادر، مكرهًا أو مختارًا، تحت شعارٍ جاهز اسمه «تجديد النخب».
لكن، هل خلا الحزب فعلًا من النخب حتى يستورد وجهًا جديدًا من حزبٍ آخر؟ وماذا سيقول السيد “أوجار”، ذلك الذي اعتاد أن ينتقي كلماته كما ينتقي شاعرٌ مفرداته، وهو الذي وقف يومًا في موقع المعارض الشرس، ينتقد وزارة الداخلية والولاة والعمال، بل تجاوز ذلك ليعترض حتى على مؤسسات دستورية وعلى طبيعة التعيين فيها، اعتراضًا لم تجرؤ عليه حتى بعض أحزاب المعارضة؟ أكان ذلك موقفًا عابرًا أكل صاحبه ثومه بيده، أم كان فصلًا من فصول لعبةٍ أكبر، فخًا مدروسًا لا نرى خيوطه كاملة؟
وإذا كنا فعلًا أمام «تجديد النخب»، فهل لم يكن “مصطفى بايتاس”، وهو الشاب الحاضر في واجهة المشهد، قادرًا على حمل القيادة؟ أم أن التجديد في قاموس السياسة لا يعني دائمًا البحث داخل البيت، بل البحث خارجه؟
أما “مباركة بوعيدة”، ابنة أحد مؤسسي الحزب إلى جانب السيد عصمان، فاختارت أن تقف خارج الملعب، تراقب المشهد من مسافةٍ آمنة، حيث لا يصلها صخب الصراع ولا ثقل القرار.. اختارت أن تكون ظلًا في لحظةٍ كان الضوء فيها يحتاج إلى من يغامر بالوقوف داخله، لا إلى من يكتفي بمراقبته من بعيد.. وربما كان الصمت أحيانًا موقفًا، لكنه في أحيانٍ أخرى مجرد مساحةٍ مريحةٍ لا يختبر فيها المرءُ شجاعة المواجهة.
ومع ذلك يبقى السؤال معلقًا: أليس من رقص في ساحة الحزب سنواتٍ طويلة أحقَّ بالقيادة ممن دخلها لتوّه؟ إنها مجرد أمثلة لما يُسمّى بـ «تجديد النخب»، لكن يبدو أن هناك منطقًا آخر يدير المشهد، منطقًا ربما يفهمه أصحابه أكثر مما نفهمه نحن..
ليس غريباً إذن أن يتقدم إلى القيادة وجهٌ لم يكتب بعدُ تاريخه داخل البيت نفسه؛ ففي الأحزاب التي تتحول إلى مقاولات سياسية، لا يُطلب من المسير أن يكون صاحب ذاكرة نضالية، بل صاحب قدرة على التدبير..
هناك، يصبح الانتماء تفصيلاً ثانوياً، وتتحول الهوية إلى بندٍ إداري قابلٍ للتعديل..
بعض الأحزاب تجعل المواطن يكره السياسة دون أن يقصد؛ لأنها تقدّم له درساً قاسياً مفاده أن الطريق إلى القيادة لا يمر دائماً عبر التاريخ أو النضال، بل قد يمر عبر المال والنفوذ وشبكات الولاء.. وحين يحدث ذلك، لا تضيع الأحزاب وحدها، بل تضيع معها صورة السياسة في عيون الناس، ويكبر جيلٌ يعتقد أن المبادئ مجرد شعارات انتخابية تُرفع ثم تُطوى بعد إعلان النتائج..
دموع بعض القادة لم تكن في لحظتها مجرد انفعال إنساني؛ كانت ذاكرةً تبكي نفسها، رجلاً يتذكر البدايات وهو يرى الصفحة تُطوى أمامه بهدوءٍ لا يشبه الضجيج الذي بدأت به الحكاية..
فالتاريخ، أحياناً، لا ينتهي بضربةٍ واحدة، بل ينتهي بتوقيعٍ إداري صغير لا يسمع صوته أحد..
ومع ذلك، تبقى المفارقة الأكبر أن السياسة التي يُفترض أن تكون فنَّ الممكن وأخلاقَ المستقبل، تتحول أحياناً إلى ساحةٍ يُغتال فيها المعنى على مرأى من الجميع، بينما يصفق المتفرجون لأنهم لا يعرفون إن كانوا يشاهدون نهاية فصلٍ أم بداية فصلٍ آخر..
نحن لا نشمت في دموع أحد، فقد سبق أن بكَى الناس بصمتٍ أشدَّ قسوة: بكوا غلاء المعيشة، وتضارب المصالح، وارتفاع الأسعار.. لذلك تبدو الدموع السياسية، مهما كانت صادقة، أقلَّ إيلاماً من دموع البيوت التي لا تجد ما تقوله سوى الصبر..
لقد رحل الرجل، وبقي الحزب.. والسؤال الذي يهمّ الناس ليس من جلس على الكرسي، بل من سيعيد للسياسة معناها، وللأحزاب روحها، وللمواطن شعوره بأن ما يحدث داخل المقرات الحزبية ليس شأناً داخلياً معزولاً، بل جزء من مصيره اليومي.. فالتاريخ لا يتذكر كثيراً أسماء الذين مرّوا، لكنه يتذكر جيداً الأحزاب التي عاشت بالفكرة، وتلك التي عاشت بالرجل ثم رحلت برحيله…
د.عبد الرحيم بوعيدة

