ذ. رضوان الطاهري
يُعد تعبير “الحيط القصير” من أكثر الأمثال تداولا في الثقافة المغربية، لما يحمله من دلالة عميقة تختزل واقعا اجتماعيا متكررا: تحميل الضعفاء ثمن أخطاء لم يرتكبوها، فالحيط القصير هو ذاك الذي يسهل القفز فوقه، أو الاتكاء عليه، أو حتى هدمه، لأنه لا يملك القوة الكافية للدفاع عن نفسه. وهكذا يصبح المثل توصيفا دقيقا لحال فئات تُستباح حقوقها فقط لأنها الأضعف صوتا والأقل نفوذا.
في الممارسة اليومية، غالبا ما يكون الفقراء والمستضعفون هم القاعدة الأوسع لهذا “الحيط القصير”. فعندما تُرتكب أخطاء على مستوى السياسات أو التدبير أو حتى الفساد، نادرا ما يدفع المسؤولون الحقيقيون الثمن. بدلا من ذلك، تُنقل الكلفة إلى من لا يملك خيار الاعتراض: ارتفاع الأسعار، تدهور الخدمات، أو تضييق فرص العيش الكريم. وكلما “قصر الكبار”، أي أخفق أصحاب القرار أو النفوذ، كان “الصغار” أول من يتحمل العواقب، وكأن المعادلة الاجتماعية مقلوبة رأسا على عقب.
الأخطر في منطق الحيط القصير أنه يُطبع الظلم ويحوله إلى أمر عادي، بل متوقع، فحين يتكرر تحميل نفس الفئات العبء ذاته، يتسلل الإحساس بالعجز وفقدان الثقة في العدالة والمؤسسات، هذا الإحساس لا يضر بالأفراد فقط، بل يهدد التماسك الاجتماعي ككل، لأن المجتمعات لا تُبنى على الإقصاء، بل على المحاسبة العادلة وتكافؤ الفرص.
إن كسر منطق الحيط القصير يمر أولا عبر الاعتراف بوجوده، ثم عبر ترسيخ مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة، دون تمييز بين كبير وصغير، فالمجتمع الذي يحمي أضعف أفراده، هو مجتمع يحصن نفسه من الانهيار، أما الاستمرار في القفز على الحيط القصير، فلن يؤدي إلا إلى جدار متشقق، ينهار في النهاية على الجميع.

