صوت العدالة: محمد زريوح
بمناسبة اليوم العالمي للطب، تتوقف عقارب الساعة لنتأمل مسيرة رجل لم يكن مجرد طبيب يعالج الأجساد، بل كان بلسمًا للأرواح ومثالاً يُحتذى في العطاء والإيثار. إننا نستحضر اليوم هامة طبية وقامة إنسانية بصمت تاريخ المنطقة بمداد من ذهب؛ المرحوم الدكتور محمد الكريمي، اختصاصي الأمراض الصدرية وداء السل والحساسية، الذي رحل عن عالمنا سنة 2006 تاركاً إرثاً لا يمحوه الزمن.
بدأت ملامح التميز في مسار الفقيد منذ ثمانينات القرن الماضي، حين شد الرحال إلى فرنسا وبالتحديد إلى كلية الطب بمدينة ليل العريقة. هناك، صقل موهبته وتزود بأحدث المعارف الطبية في واحد من أدق التخصصات وأكثرها مساسًا بالصحة العامة، حيث قضى سنوات من التكوين والعمل في المستشفيات الفرنسية، اكتسب خلالها خبرة أكاديمية وميدانية رفيعة المستوى.
ورغم الآفاق الواسعة التي كانت تفتحها له التجربة الدولية، اختار المرحوم الدكتور الكريمي العودة إلى وطنه الأم، وتحديداً إلى مدينة الناظور، حاملاً معه طموحاً كبيراً لخدمة أبناء منطقته. كانت بدايته المهنية من بوابة المستشفى الحسني بالناظور، حيث خبر عن قرب معاناة المرضى في القطاع العام، قبل أن يقرر خوض غمار التجربة في القطاع الخاص، واضعاً كفاءته العلمية في خدمة الصالح العام.
لم يشتهر الدكتور الكريمي بمهارته الطبية الفائقة فحسب، بل عُرف بلقب “طبيب الإنسانية”، إذ كان يضرب به المثل في طريقة تعامله الراقية مع المرضى. كان يتسم بصبغته الإنسانية الفريدة، حيث لم تكن العيادة بالنسبة له مجرد فضاء للعلاج، بل كانت ملاذاً لمن ضاقت بهم السبل، يتعامل فيها مع المصابين بداء السل والحساسية بكثير من الرفق والتقدير الذي يرفع من معنوياتهم قبل أجسادهم.
لقد نجح الراحل في الموازنة بين الدقة المهنية وبين السجل الحافل بالمبادرات الإنسانية، مما جعله اسماً محفوراً في ذاكرة سكان الإقليم. كان حضوره في القطاعين العام والخاص يجسد نموذج الطبيب الغيور على مهنته، والذي يرى في الطب رسالة أخلاقية سامية تهدف إلى تخفيف الآلام وتكريس حق الجميع في العلاج، بعيداً عن أي حسابات مادية ضيقة.
في هذا اليوم العالمي، نجدد الترحم على روح الدكتور محمد الكريمي، الذي غادرنا بجسده وبقي حاضراً بسيرته العطرة. إن استحضار هذا البورتريه اليوم هو اعتراف بالجميل لرجل كرس حياته لخدمة “النفس” والجانب التنفسي لمرضاه، ليظل اسمه منارة تضيء طريق الأجيال الصاعدة في مهنة المتاعب والرحمة.

