صوت العدالة- متابعةالكاتب الحسن لحويدك ، رئيس جمعية الوحدة الترابية بجهة الداخلة وادي الذهب في فعاليات ” الندوة العلمية الدولية حول الأقاليم الصحراوية الجنوبية المغربية ” المنعقدة يومي 28 و29 ابريل 2026 برحاب جامعة مولاي إسماعيل بمكناس ، حيث قدم عرضه بخصوص المادة البحثية التي أنجزها حول موضوع :
“من التوثيق الذاتي إلى المشروع الوطني: خماسية كتابه (ذاكرة هوية ووطن – مذكرات من الداخلة) نموذجًا للترافع العلمي والثقافي لفائدة الصحراء المغربية”
تندرج هذه الندوة الدولية حول موضوع: “الأقاليم الصحراوية الجنوبية المغربية: المجال، المجتمع والتاريخ”، في إطار تخليد الذكرى الخمسين للمسيرة الخضراء ،حيث احتضنت المدرسة الوطنية العليا للفنون والمهن بمكناس، التابعة لجامعة مولاي إسماعيل ، يوم الثلاثاء 28 أبريل أشغال اليوم الأول .
وتندرج هذه الندوة ضمن أشغال شعبتي التاريخ والجغرافيا بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بمكناس، بشراكة مع جامعة مولاي إسماعيل والمركز الوطني للبحث العلمي والتقني، وبدعم من جهة فاس–مكناس وجهة كلميم–واد نون وجماعة مكناس، إلى جانب عدد من الشركاء الأكاديميين والمدنيين.
وعرفت الجلسة الافتتاحية حضوراً وازناً لشخصيات رسمية ودبلوماسية وأكاديمية، من بينها ممثل عمالة مكناس، وممثل جماعة مكناس، ورئيس جهة فاس–مكناس، وممثل جهة كلميم–واد نون، إضافة إلى سفيرة السودان وسفير الصومال وممثلة السفارة السنغالية، إلى جانب عدد من الفاعلين في الحقل المدني والأكاديمي، من ضمنهم رئيس المنتدى الإفريقي للتنمية والأبحاث الجغرافية والاستراتيجية، ورئيس منتدى الصحراء للحوار والثقافات، ورئيسة جمعية نور الوطنية للصداقة المغربية الإفريقية.
وتواصلت مداخلات الأساتذة في اليوم الثاني للندوة ، بقاعة ابن خلدون بكلية الآداب والعلوم الإنسانيّة .
وفي الجلسة الختامية، قدم المنسق العام للندوة كلمة، ثم قراءة التقرير التركيبي والتوصيات من طرف باحث بسلك الدكتوراه، فتوزيع الشواهد ، لتختتم الندوة العلمية الدولية ببرقية ولاء وإخلاص مرفوعة إلى جلالة الملك محمد السادس .
■ نص المداخلة :
بسم الله الرحمان الرحيم والصلاة والسلام على أشرف المرسلين .
- السيد رئيس جامعة مولاي إسماعيل .
- السيد عميد كلية الآداب والعلوم الإنسانية بمكناس.
- السيد رئيس منتدى الصحراء للحوار والثقافات.
- السيدات والسادة الأساتذة الأجلاء.
السيدات والسادة الفعاليات الأكاديمية والثقافية والجمعوية والإعلامية.
حضرات السيدات والسادة .
يطيب لي بداية أن اعبر عن كامل سعادتي بالمشاركة في هذه الندوة العلمية الدولية حول الأقاليم الصحراوية الجنوبية المغربية التي تنظمها شعبتا التاريخ والجغرافيا بكلية الآداب والعلوم الإنسانيّة بمكناس، بشراكة مع جامعة مولاي إسماعيل ، وجهة فاس مكناس، وجهة كلميم – واد نون ، وجماعة مكناس، والمرصد الوطني للبحث العلمي والتقني ومنتدى الصحراء للحوار والثقافات ، والمنتدى الإفريقي للتنمية والابحاث الجغرافية والاستراتيجية . اكيد انها ستكون ندوة قيمة ، لها أهميتها وراهنيتها في سياق مستجدات قضية الصحراء المغربية، وفي خضمها القرار الأممي التاريخي 2797 ، الصادر عن مجلس الأمن الدولي، بتاريخ 31 أكتوبر 2025 ، الذي رسّخ مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية ، كإطار فريد ووحيد للتسوية النهائية للنزاع الإقليمي المفتعل حول مغربية الصحراء.
ولعل هذه الندوة الدولية المباركة ، فرصة أيضا سانحة للوقوف على مختلف المراحل والمحطات التي عرفها ملف القضية الوطنية التي تجسد السيادة المغربية المشروعة على اقاليمه الجنوبية ، وعمق الروابط التاريخية بين العرش وسكان الصحراء.
وفي هذا السياق، يسعدني أيها الحضور الكريم، أن أقدم أمامكم هذا العرض الذي يمثل تلخيصا للمادة البحثية التي أنجزتها حول موضوع :
“من التوثيق الذاتي إلى المشروع الوطني: خماسية كتاب (ذاكرة هوية ووطن – مذكرات من الداخلة) نموذجًا للترافع العلمي والثقافي لفائدة الصحراء المغربية”.
وما دمنا نتحدث عن أهمية الكتاب والكتابة والتوثيق ، فمن حسن الطالع ان تصادف هذه الندوة العلمية الدولية الهامة مع تدشين المملكة المغربية فعاليات (الرباط عاصمة عالمية للكتاب 2026) بالتزامن مع اليوم العالمي للكتاب ، وتصادف أيضا تنظيم الدورة 31 للمعرض الدولي للنشر والكتاب بالرباط التي تقام في الفترة من الأول إلى العاشر من مايو .
والجدير بالذكر في هذا الإطار ، ان اللجنة العلمية للندوة مشكورة ، اعتبرت مقال مشاركتي في محاور الندوة جيدا من حيث الإشكالية والمنهجية، وأسلوبه أكاديمي تحليلي جيد ، بأسلوب لغوي سليم .
وبالنظر إلى ملاحظاتها السابقة ، اكدت اللجنة بان المقال قابل للنشر والمشاركة في الندوة .
لقد انطلقت في هذه المداخلة، من قناعة راسخة مفادها أن قضية الصحراء المغربية لم تعد تقتصر على المقاربات السياسية والقانونية، بل أصبحت تتطلب أيضًا انخراطًا علميًا وثقافيًا يستند إلى توثيق الذاكرة الوطنية وتحويلها إلى أداة فعالة للترافع.
ومن هذا المنطلق، اخترتُ الاشتغال على خماسية “ذاكرة هوية ووطن – مذكرات من الداخلة”، التي حاولت فيها الجمع بين السرد الذاتي والتوثيق الموضوعي، بهدف الإسهام في بناء خطاب وطني متكامل.
ووفق المواضيع التي تم التركيز عليها في هذا العمل التوثيقي، سأقسم هذه المداخلة إلى أربعة محاور أساس :
● المحور الأول: الكتابة الذاتية- مدخل لفهم التحولات الكبرى التي عرفتها الأقاليم الجنوبية للمملكة .
● المحور الثاني: التوثيق التنموي والدبلوماسي – رصد المشاريع الكبرى وتتبع مسار الاعتراف الدولي بمغربية الصحراء.
● المحور الثالث: تنزيل التوصيات الصادرة عن احتفالية توقيع الجزء الخامس من الكتاب المنظم بالمكتبة الوطنية للمملكة المغربية بالرباط .
● المحور الرابع: ترسيخ دور المؤسسات الأكاديمية في تكوين النخب الباحثة وتأصيل البحث حول الأقاليم الجنوبية .
ففي المحور الأول، اعتمدت على منهجية الكتابة الذاتية، من خلال تجميع ما نُشر وكُتب وأًذيع ارتباطا بتجربتي الشخصية في إطار اجتماعي وسياسي متحول، سعيا مني إلى تحويلها إلى مدخل لفهم التحولات الكبرى التي عرفتها الأقاليم الجنوبية للمملكة، من خلال توثيق تفاصيل الحياة الاجتماعية والثقافية، وربطها بالسياقات السياسية والاقتصادية والدبلوماسية.
لقد اقتنعت بأن هذه الكتابة تمثل شكلًا من “التأريخ من القاعدة”، حيث تمنح صوتًا للفاعلين المحليين وتعيد الاعتبار للذاكرة الجماعية، بعيدًا عن الطابع الرسمي المجرد، وهو عمل متعدد الأبعاد الأنثروبولوجية والسوسيولوجية والثقافية والروحية، حيث يقدم مادة غنية حول الطقوس الاجتماعية، والعلاقات القبلية، والتحولات البنيوية التي عرفها المجتمع الصحراوي، خاصة انتقاله من البنية القبلية إلى مؤسسات الدولة الحديثة الحاضنة لهذه البنية. وأنا أجمع مواد الجزء الخامس من هذا العمل التوثيقي تبين لي أنه لا يُوثِّق فقط للماضي، بل يُسهم أيضًا في فهم الحاضر واستشراف المستقبل، من خلال إبراز ديناميات التغيير الاجتماعي وتعزيز قيم المواطنة والانتماء للعيش المشترك.
أما في ما يتعلق بالمحور الثاني لهذا العمل، فقد حاولت الوقوف عند البعد التنموي والدبلوماسي الذي يهم جهة الداخلة وادي الذهب، بشكل خاص، والأقاليم الجنوبية، بشكل عام، حيث ركزتُ على الجوانب التي توثق للأوراش الكبرى التي تشهدها الأقاليم الجنوبية ، وفي صلبها النموذج التنموي الخاص بها الذي أعطى انطلاقته الفعلية جلالة الملك محمد السادس من العيون بمناسبة الذكرى الأربعين للمسيرة الخضراء ، وقد أبرزتُ أن هذا التوثيق لا يقتصر على عرض المشاريع، بل يربطها بسياقاتها الاجتماعية الداخلية والجيوستراتيجية الخارجية، مما يجعلها دليلًا حيًا على التحول التنموي الذي تعرفه المنطقة. كما تتبعتُ من خلال هذا العمل مسار الاعتراف الدولي بمغربية الصحراء، بدءًا من الاعتراف الأمريكي بسيادة المغرب على صحرائه، مرورًا بالاعتراف الإسباني والفرنسي، وبالدعم الأوروبي والإفريقي لمبادرة الحكم الذاتي المغربية، وصولًا إلى تزايد عدد القنصليات المعتمدة في الأقاليم الجنوبية في كل من العيون والداخلة.
وأنا أُجَمِّع المادة المتعلقة بهذا الجانب، كنت أحاول التنبيه إلى أن هناك علاقة جدلية واضحة بين التنمية والدبلوماسية، حيث تشكل المشاريع التنموية أداة للترافع الدولي، في حين يعزز الاعتراف الدولي جاذبية الاستثمار والتنمية.
ومن خلال هذا التحليل، يتبين أن بناء السردية الوطنية المتكاملة يستند، بالضرورة، إلى الوقائع الميدانية والمعطيات الواقعية، مما يعزز مصداقيتها في مواجهة السردية المناوئة التي تستند إلى الشعارات وتزوير التاريخ والجغرافيا.
وبخصوص المحور الثالث، اشتغلتُ على التوصيات الصادرة عن فعاليات توقيع الجزء الخامس من خماسية (ذاكرة هوية ووطن – مذكرات من الداخلة) ، باعتبارها امتدادًا عمليًا لهذا المشروع التوثيقي. وقد سعيتُ إلى تحليل هذه التوصيات وبيان كيفية تنزيلها على أرض الواقع، سواء من خلال الترجمة إلى اللغات الأجنبية، أو الرقمنة، أو إدماج المحتوى في البرامج التعليمية، أو توظيفه في الإنتاج الفني والوثائقي. كما أكدتُ على أهمية إشراك المجتمع المدني والمؤسسات التربوية في هذا المسار، لما لذلك من دور في ترسيخ الوعي الوطني لدى الأجيال الصاعدة.
وقد اقتنعت بأن هذه التوصيات تشكل خارطة طريق متكاملة لتحويل العمل الفردي إلى مشروع وطني شامل، يقوم على التكامل بين مختلف الآليات الثقافية والتربوية والإعلامية. إنها رؤية استراتيجية تسعى إلى جعل الذاكرة الوطنية في قلب الفعل الترافعي، وإلى تحويل المعرفة إلى قوة ناعمة تخدم القضية الوطنية.
أما بالنسبة للمحور الرابع، فقد ركزتُ على دور الجامعة في تأصيل هذا التوجه، حيث اعتبرتُ أن المؤسسة الأكاديمية مدعوة إلى استثمار هذه المادة التوثيقية الغنية، وتأطيرها ضمن مقاربات علمية رصينة. وانطلاقا من ذلك أكدت على أهمية إحداث مراكز بحث جامعية متخصصة، وإدراج وحدات تعليمية حول الصحراء، وتشجيع الأبحاث الأكاديمية في هذا المجال، إضافة إلى تعزيز الشراكات الوطنية والدولية، مع ضرورة ربط البحث الأكاديمي بالترافع العلمي، من خلال إنتاج تقارير علمية، والمشاركة في المحافل الدولية، ونشر الأبحاث بلغات أجنبية. واعتبرتُ أن تكوين نخب باحثة متخصصة، يشكل رهانًا استراتيجيًا، يمكن من تعزيز الحضور المغربي في الساحة الدولية، ومواجهة الأطروحات المناوئة بالحجة والدليل.
وكخلاصة ، يمكن القول إن الخمسة أجزاء من ” ذاكرة هوية ووطن – مذكرات من الداخلة ” التي اشتغلت عليها لحوالي عقد من الزمن، تمثل، بالنسبة لي، تجربة غنية في مجال التوثيق الوطني، حيث مكنتني من التكوين الذاتي ومراكمة المعارف، والجمع بين الذاكرة التوثيقية والعملية التنموية والفعل الدبلوماسي واكتساب العلم والمهارات التفاوضية. كما جعلتني أدرك أن التوثيق لم يعد مجرد فعل استرجاعي لأحداث الماضي، بل أصبح ضرورة استراتيجية وأداة فعالة في معركة الوعي والترافع على القضايا العادلة، وفي مقدمتها قضية الصحراء المغربية. ومن هذا المنطلق، تبرز الحاجة إلى تعميم هذا النموذج، وتثمينه مؤسساتيًا وأكاديميًا، بما يعزز السيادة الوطنية، ويحصن الهوية الجماعية في مواجهة مختلف التحديات.
شكرا على حسن الإصغاء والتتبع ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.





