الرئيسية غير مصنف العنف المدرسي: انعكاساته السلبية على الأسرة و المجتمع يتطلب الحوار و التشاور بين مختلف الفاعلين في العملية التعليمية التربوية

العنف المدرسي: انعكاساته السلبية على الأسرة و المجتمع يتطلب الحوار و التشاور بين مختلف الفاعلين في العملية التعليمية التربوية

كتبه كتب في 9 فبراير، 2022 - 3:56 مساءً

عبد القادر خولاني

أصبح مفهوم العنف المدرسي يستثر باهتمام كبير مختلف المتدخلين في العملية التربوية ومادة دسمة لمختلف المنابر الإعلامية المسموعة و المرئية و المكتوبة و على المواقع الإلكترونية و يقتحم حياتنا اليومية عبرها ، و يتجسد العنف المدرسي في العنف بين التلميذ و الأستاذ ، و بين التلاميذ ، من خلال التهديد بالقتل ، الإيذاء ، الإذلال ، الاحتقار ، الإهانة ، الاستعلاء ، التحرش ، الاغتصاب وغيرها …

ولقد بدأ اهتمام الباحثين في المجال السلوكي و التربوي ، و المنظمات غير الحكومية خلال السنوات الأخيرة في التزايد ، وذلك نتيجة تطور الوعي النفسي و الاجتماعي بأهمية البحث في أسباب العنف و الآثار المستقبلية المترتبة عنه ، وتم الوصول إلى أن الظاهرة تكتسب مند الطفولة ، مما يتطلب ضرورة تتبع مراحلها و توفير المناخ النفسي و التربوي المناسب لنمو الأطفال نموا سليما جسديا واجتماعيا لما لهذه المرحلة من أثر واضح على شخصية الطفل في المستقبل ، و العمل على حماية الأطفال من جميع أشكال الإساءة و الاستغلال والعنف التي يتعرضون له ، نظرا أن هذه الأفعال  تولد الكراهية و العدوانية و الغضب ثم القوة  المهدمة، التي تعمل على تدمير أمن الأفراد و تهدد سلامة المجتمع …

فالمتضرر من العنف يصبح عدوانيا بطبعه دون وعي وتفكير لما يحدث من حوله و  للنتائج السلبية المترتبة عن سلوكه ، فيعبر عن الغضب من خلال / النهب ، القتل ، حرق الذات ، الانتحار، والاعتداء، تخريب الممتلكات  إلى أن يسيطر عليه اليأس فيدخله عالم التطرف و الإرهاب من بابه الواسع….

      فميدان التربية و التعليم ، بدأ هو الآخر يعرف أنواعا متعددة من العنف، ونخص بالذكر هنا،عنف المتعلم ضد الأساتذة، الذي هو من القضايا التي أصبحت تفرض نفسها على الرأي العام الوطني بعد عنف المعلم على التلميذ ، فهي ظاهرة دخيلة على القيم و المجتمع المغربي و الإسلامي بعد أن كانت منتشرة في الدول المتقدمة كإنجلترا ، الولاية المتحدة الأمريكية و غيرها … ويأتي الاهتمام بقضية العنف المدرسي لأنه يعرقل قدرة المدرسة على انجاز أهدافها التي من أهمها تعليم الطالب ومساعدته على تطوير مهاراته التي يحتاجها من أجل الوصول إلى أهدافه وتطلعاته في الحياة، كما أن العنف المدرسي له تأثيرات مؤذية وتفقد ثقة التلاميذ و الطلاب بأنفسهم وتصوراتهم الذاتية، بل إن العنف المدرسي يحد من مشاركة الطلاب والطالبات في الحوار والنقاش ويقلل من إبداعاتهم وقدراتهم على التعلم ويؤدي بهم إلى الرغبة في الانعزال و حتى ممارسة العنف ضد الآخرين ،ففي مؤسساتنا التعليمية العمومية كان المعلم يمارس سلطته في ممارسة العنف على تلاميذه تحت شعار التربية ، ولكن حاليا في ظل التطور التربوي و انتشار الوعي بحقوق الإنسان أصبح ينظر لهذه السلوكات على أنها ممارسات عنيفة بغض النظر عن الأعراف و التقاليد  …

       وإن تزايد الاعتداء على حرمة المدرسة العمومية، وانتشار العنف المتبادل بين المتعلم و المدرس بداخلها و بمحيطها الخارجي ، فجر من جديد ظاهرة العنف المدرسي ، الذي يمس في العمق أمن وسلامة المجتمع و من خلاله الوطن ،باعتبار التعليم هو أساس التنمية الاجتماعية و الاقتصادية…. فبعد أن كان العنف يتمحور حول التلميذ و معاناته ، تعالت أصوات مطالبة بسن قوانين و تشريعات تضمن حقوق الطفل ، الإجراء الذي تحقق في المغرب من خلال العناية التي يوليها الملك محمد السادس لقضايا الأسرة والمرأة والطفولة وفقا لمقتضيات الدستور الجديد الذي حث الدولة على ضمان الحماية الحقوقية الاجتماعية والاقتصادية للأسرة بما يضمن وحدتها واستقرارها والمحافظة عليها

 ليبدأ من جديد مسلسل آخر أشد خطورة يتمثل في الاعتداء على نساء و رجال التعليم تمتد حلقاته، لترصد مشاهد العنف تجاههم من قبل الطلاب وآباء و أولياء التلاميذ، و أحيانا يأتي الاعتداء من المحيط الخارجي للمؤسسة التعليمية لتصل حلقات هذا العنف إلى التهديد بالقتل و تنفيذه أحيانا…، وتعد واقعة تعرض أستاذ بالثانوية الإعدادية الأمير مولاي عبد الله بخنيفرة لاعتداء من طرف أحد التلاميذ داخل الفصل الدراسي  أحد التلاميذ يوثق الفضيحة بالفيديو نهاية سنة 2021 ، و تلميذا آخر اعتدى على أستاذه بإحدى الثانويات التأهيلية بورزازات في نونبر 2017 ، و عملية تبادل الضرب و اللكم بين التلميذ و الأستاذ في حصة مادة الرياضيات بالثانوية التأهيلية محمد الخامس للتعليم الأصيل بتارودانت في شهر نونبر 2016 ، كما لفظ تلميذ أنفاسه الأخيرة بالمستشفى الإقليمي بالجديدة صباح يوم الفاتح من فبراير 2022 متأثرا بجراحه نتيجة ضربة من طرف تلميذ يدرس في نفس المؤسسة ثانوية الإعدادي النجد … والأمثلة كثيرة و متعددة و في تزايد ملحوظ …

         و لتسليط الضوء على ظاهرة العنف المدرسي، استقت جريدة (العلم) رأي مجوعة من المتقاعدين و الممارسين لمهنة التعليم وتلاميذ المؤسسات التعليمية و الشركاء الداخليين و الخارجيين ، فأرجع العديد من نساء ورجال التعليم الابتدائي سبب انتشار الظاهرة وانتقالها إلى الأستاذ هو عدم وجود حماية من قبل الوزارة و حتى الأجهزة النقابية التي أصبح دورها يقتصر في التنديد و المطالبة بالحماية و تحصين المكتسبات و تحقيق المطالب…، فضلا عن  السياسات الخاطئة المتبعة فى التعليم ، و تحمل الأستاذ كل مسؤولية التربية و التعليم باعتبار اتصاله المباشر بالتلميذ، و بالتالي أصبح الأستاذ ضحية الوزارة و النقابة و التلميذ ضحية المجتمع…، موضحين أن الضغوط النفسية التي يتعرض لها الأستاذ و التي تنعكس سلبا على العملية التعليمية التربوية سببه العنف المدرسي أيضا، مطالبين وزارة التربية الوطنية و التعليمة الأولي و الرياضة في إطار نهجها الإصلاحي ، بإصدار قرارات و مذكرات تنظم العلاقة بين المتعلم والمدرس ، إضافة إلى مراجعة جدرية للمقررات و المناهج الدراسية و الزمن المدرسي … كما أرجع سبب تعداد وتنوع الاعتداءات على الأساتذة في المؤسسات التعليمية إلى تغلغل العنف في المجتمع، و الذي ساعد عليه ، عدم وجود عقاب موضوعي و رادع ، و غياب الأفق لدى التلميذ ، في ظل بداية سقوط هيبة رجل أمن في الشارع المغربي و السكوت المحتشم للمواطنين و أحيانا يتم الدفاع عن الجاني بتحميل الدولة المسؤولية في ظل تدهور الوضع الاقتصادي و انعدام الشغل و عدم تفعيل القوانين المنظمة لميدان الشغل …. ، مما سبب في تزايد العنف مأثرا بذلك على مجال التعليم، الشيء الذي ساهم في انتشار العنف المدرسي بين المتدخلين في العملية التعليمية (الأولياء، التلاميذ، الأستاذ، الإدارة….)،كما أن الآباء ألقوا المهمة التربوية على عاتق الأستاذ ، دون تتبع ميداني و مراقبة لسلوك وتعلم أبنائهم ، إضافة إلى أن الأشخاص الذين يمارسون العنف يعيشون تحت ضغوط و مشكلات نفسية وعاطفية وذهنية و يعانون من الإهمال وسوء المعاملة وأغلبهم يتعاطى  للمخدرات  ولهم علاقات غير متماسكة بالأصدقاء و بعضهم يتميز بقدرات ذهنية ضعيفة وصعوبات في التعلم ، تجعلهم غير قادرين على المنافسة مع أقرانهم فيشعرون بالإحباط ويعبرون عن ذلك من خلال العنف اللفظي أو الجسدي،و آخرون ربما هم ضحايا عنف الأسرة أو وسائل الإعلام المرئية …. و حسب منضور بعض الأساتذة المتقاعدين من جيل الستينات و السبعينيات ،فإن ظاهرة انتشار العنف الطلابي ضد الأساتذة قد ازدادت حدته في السنوات الأخيرة ولاشك أنها غريبة على مجتمعنا بكل المقاييس وتستلزم الدراسة والتقصي،كما أنه على الوزارة الوصية والأجهزة النقابية أن تقوم بوضع الحلول المناسبة للحد منها.. ويرى بعض الآباء أن للمدرسة وللجو المدرسي دور لا يمكن إنكاره في تفشي ظاهرة العنف المدرسي أضف إلى ذلك قسوة بعض الأساتذة واستخدامهم لأساليب غير تربوية ، كالعقاب البدني غير المبرر و الاستهزاء بالطالب….، و يرى أحد تلاميذ التعليم الثانوي التأهيلي أن إحساس الطالب بضعف شخصية الأستاذ و الصراعات المتزايدة بين الطاقم الإداري و التربوي وضعف الإدارة التربوية في التسيير و التدبير ، و عدم قدرة الأستاذ السيطرة على الفصل يترك أثرا سلبيا في نفوس الطلاب وينعكس على سلوكهم نحوهم ، و أن احترام الطالب الناجح فقط ، يولد نوع من الإحباط للتلميذ الذي لا يتجاوب مع الدرس ، إضافة إلى يأس التلاميذ من البرنامج و آفاقهم المسدود ، الشيء الذي يولد كثير من الإحباط ، ويكون الدافع الرئيسي من وراء العنف ،  الظاهرة التي استفحلت بشكل غريب بمحيط المؤسسات التعليمية، حتى أصبحت مسرحا لتصفية الحسابات بين المتدخلين في العملية التعليمية (تلاميذ، أساتذة، أولياء ، غرباء) ، و سوقا أسودا بامتياز للرذيلة و ترويج السموم من طرف مافيا الفساد و المخدرات …..

        في حين أصبحت هاجس و أمل الوزارة ومن خلالها  الإدارة التربوية و الأساتذة و تلاميذ المؤسسات التعليمية و معهم  جمعيات آباء و أولياء تلاميذ ، أن يكون العام الجديد مختلفا عن الذي قبله، و ليس الهدف البحث عن النجاح أو الشهادة فقط ، إنما يكون هو  إرساء قيم مختلفة تهم الفعالية و التسامح و الحوار جنبا إلى جنب في العملية التربوية التعليمية،وقبول الجوار في المقعد و في الفصل الدراسي ، و في الساحة، فضلا عن قبول مبدأ الحوار بين المعلم و التلميذ ، و المساعدة في بناء شخصية وفكر و عقل المتعلم ، لا إلغائها و إقصائها و تهميشها ، و جعلها تدور فقط في فلك الكتاب و المقرر… وبهذا السلوك نستطيع أن نبني جيلا مفكرا غير منقاد، ونجعل بحق المدرسة المغربية بيتا للتربية الأولى للعقل و الإنسان، و الامتداد الطبيعي للأسرة و المجتمع، و النواة الصلبة التي يجب أن يكون لها اعتبارها في الحاضر و المستقبل….

     و نستخلص من كل هذا ، أنه يجب تناول الظاهرة وفق مقاربة شمولية مندمجة ووقائية بالأساس يساهم فيها كل المتدخلين ، مما يتطلب الحوار و التشاور بين مختلف الفاعلين في العملية التعليمية التربوية و البحث عن السبل الكفيلة لتخفيف من حدة تفاقم الظاهرة ،من سبيل إعداد الأساتذة للمتغيرات العالمية والمستجدات التربوية وتدريبهم على كيفية التعامل مع التلميذ(ة) ، فضلا عن البحث في بدائل العقاب البدني  وأساليب التربية والتنشئة السليمة داخل المدرسة ، و تجهيز المؤسسات التعليمية و تجميل فضائها و تفعيل الأندية التربوية و الأنشطة المدرسية و جعل فضاء المؤسسات  يحفز على التعلم و يحد من الهدر المدرسي …

مشاركة