ذ. رضوان الطاهري
لم يعد المثل الشعبي المغربي «كل دار فيها كيدار» مجرد تعبير دارج يُتداول في المجالس، بل تحول مع مرور الوقت إلى عنوان مكثف لمعاناة اجتماعية صامتة، تختزل قلق الآباء وأوجاع الأسر التي وجدت نفسها في مواجهة مباشرة مع آفة الإدمان. فالمثل، على بساطته، يعكس واقعا مرا يوحي بأن المخدرات لم تعد استثناء، بل صارت حاضرة – بدرجات متفاوتة – في نسيج المجتمع، حتى كأن كل بيت يحمل نصيبه من هذا الابتلاء.
تنتشر المخدرات اليوم في فضاءات متعددة، من الأحياء الهامشية إلى بعض الأوساط التي كانت تُعد في منأى عنها، مستفيدة من عوامل متداخلة؛ اجتماعية واقتصادية ونفسية. البطالة، الهدر المدرسي، التفكك الأسري، وضغط التحولات القيمية السريعة، كلها عناصر تُمهد الطريق أمام الشباب للانزلاق نحو التعاطي، بحثا عن مهرب مؤقت من واقع قاس أو فراغ قاتل.
غير أن الجانب الأكثر إيلاما في هذه المعادلة هو ما تعانيه الأسر، وخاصة الآباء والأمهات، من شعور مزدوج بالعجز والذنب؛ فالإدمان لا يصيب الفرد وحده، بل يُربك توازن الأسرة بأكملها، ويحول البيت إلى فضاء مشحون بالخوف والمعاناة والترقب.
كثير من الآباء يعيشون صراعا داخليا بين الرغبة في إنقاذ أبنائهم والخشية من الفضيحة أو الوصم الاجتماعي، في مجتمع ما زال ينظر إلى الإدمان بوصفه انحرافا أخلاقيا أكثر منه مرضا يستدعي العلاج والمواكبة.
وقد ساهم هذا التصور في تكريس الصمت، حيث تفضل أسر كثيرة إخفاء معاناتها بدل طلب المساعدة، ما يفاقم الوضع ويمنح الإدمان فرصة للتجذر. وهنا يتبدى خطر المثل الشعبي نفسه؛ إذ حين يصبح «كل دار فيها كيدار» عبارة متداولة، قد ينقلب من توصيف للواقع إلى شكل من أشكال التطبيع معه، وكأن الأمر قدري لا فكاك منه.
في المقابل، لا يمكن اختزال الظاهرة في مسؤولية الأسرة وحدها، فالمقاربة الأمنية، رغم أهميتها في محاربة شبكات الترويج، تظل قاصرة إذا لم تُدعم بسياسات وقائية وعلاجية فعالة. يبقى ضعف مراكز العلاج، محدودية برامج الإدماج، وقلة التأطير النفسي والاجتماعي، كلها ثغرات تجعل رحلة التعافي شاقة، إن لم تكن مستحيلة، لكثير من المدمنين.
إن تفكيك هذا الواقع المؤلم يقتضي الاعتراف أولا بأن الإدمان قضية مجتمعية شاملة، لا وصمة فردية، كما يستدعي إعادة الاعتبار لدور المدرسة، والمسجد، والإعلام، والمجتمع المدني، في بناء وعي وقائي يحصن الشباب، ويفتح في الوقت ذاته أبواب الأمل أمام من سقطوا في براثن التعاطي.
يبقى «كل دار فيها كيدار» صرخة مكبوتة أكثر منه مثلا عابرا؛ صرخة تُذكر بأن المعركة ضد المخدرات لا تُخاض في الأزقة وحدها، بل داخل البيوت، وفي السياسات العمومية، وفي نظرتنا الجماعية إلى الإنسان حين يضعف، وبين القهر والمكابدة، تظل الحاجة ملحة إلى تحويل هذا المثل من عنوان للاستسلام إلى دافع للفعل والتغيير.

