الرئيسية آراء وأقلام التسامح بالمملكة المغربية بين عمق التاريخ واختبار السلوك المعاصر.

التسامح بالمملكة المغربية بين عمق التاريخ واختبار السلوك المعاصر.

FB IMG 1776892928744
كتبه كتب في 22 أبريل، 2026 - 10:22 مساءً

بقلم:الدكتور: عبدالقادر الحافظ بريهما

المملكة المغربية كانت عبر تاريخها الطويل أرضا للتسامح والتعايش بين مختلف الديانات والثقافات، حيث شكل المسلمون واليهود نسيجا مجتمعيا واحدا تقاسم نفس الأرض والذاكرة والمصير. فاليهود ليسوا طارئين على هذا الوطن، بل هم جزء أصيل من تاريخه، ساهموا في بنائه سياسيا و اقتصاديا وثقافيا وروحيا، وظل ارتباطهم بالمغرب قائما حتى بعد الهجرة، يحملونه في وجدانهم ويعبرون عن حبهم له في مختلف أنحاء العالم. هذا الإرث المشترك جعل من المغرب نموذجا فريدا في التعايش، يقوم على الاحترام المتبادل والاعتراف بالآخر.

غير أن ما وقع مؤخرا من تصرفات لبعض الشباب بمدينة مراكش، بدافع الحماس أو سوء الفهم، لا ينسجم مع هذا العمق التاريخي، بل يعكس قراءة ضيقة لقيم يفترض أنها قائمة على الانفتاح. فالتعامل مع ممارسة دينية عادية وكأنها أمر مستفز، يكشف خللا في استيعاب معنى الحرية الدينية التي نطالب بها لأنفسنا داخل المغرب وخارجه.

إن تحويل فضاء عام إلى ساحة لإظهار “الرفض” أو “التطهير” يبعث برسائل سلبية، لأنه يوحي بأن الاختلاف مرفوض، وهو ما يتناقض مع روح المجتمع المغربي. فالدين لا يُحمى بردود الفعل المتشنجة، بل يصان بالأخلاق واحترام كرامة الإنسان، أياً كان معتقده.

كما أن نشر مثل هذه السلوكيات عبر وسائل التواصل يضخم أثرها، ويجعلها تمس بصورة المغرب في الخارج، حيث يُنظر إليه كبلد للتسامح. وهذا ما يفرض مسؤولية أكبر على الأفراد، لأن أي تصرف فردي قد يتحول إلى انطباع عام عن مجتمع بأكمله.

ومن الناحية القانونية، فإن الأفعال التي تحمل طابع التمييز أو التحريض على الكراهية لا يمكن التساهل معها، لأنها تمس بحقوق مضمونة للجميع. فالدولة التي تحمي حرية المعتقد، مطالبة أيضا بحماية هذه الحرية من أي سلوك يهددها.

الأخطر أن مثل هذه التصرفات قد تستغل في سياقات أخرى لتبرير الإساءة للمسلمين في الخارج، وهو ما يجعل من الضروري تبني خطاب متوازن يقوم على مبدأ المعاملة بالمثل في الاحترام، لا في الإقصاء.

في النهاية، يبقى التحدي الحقيقي هو ترسيخ ثقافة التعايش داخل المجتمع، ليس فقط كشعار، بل كممارسة يومية. فالمغرب الذي جمع عبر تاريخه بين الأديان والثقافات، قادر على الحفاظ على هذا النموذج، شرط أن يتحمل الجميع مسؤوليته في صونه والدفاع عنه.

مشاركة