بقلم / بديعة الراضي
“من يقول إن الاتحاد الاشتراكي انتهى، لا ينظر إلى موقعه داخل الأممية الاشتراكية، ولا إلى آلاف المنخرطين في الجهات والأقاليم، المؤمنين بالفكرة الاتحادية والممارسين للنضال الحزبي من موقع الانخراط الفعلي.” — هكذا لخّص الأستاذ إدريس لشكر، الكاتب الأول لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية ، جوهر الرد على خطابٍ يتكرر بإصرار: خطاب “الموت ” أو ” النهاية”.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح: لماذا تستضيف القناة العمومية بكثير من التساؤل حول الهدف من ذلك، من غادروا الحزب منذ خمسة عشر عاما، ولا تلتفت إلى واحد من هؤلاء الآلاف الذين ما يزالون داخل الحزب ، يشتغلون بصمت، ويناضلون من أجل قيم الحزب وأهدافه المجتمعية والسياسية؟
و لماذا تتحول بعض المنابر إلى قنوات مفتوحة لإعادة تدوير خطاب العدم، بينما يهمش صوت القاعدة الحزبية الحية؟
فليس من قبيل الصدفة أن يستدعى “المنسحب” ليُعلن وفاة تنظيم لم يعد ينتمي إليه، في الوقت الذي يغض فيه الطرف عن المنخرط الذي ما يزال يلتزم بالفعل اليومي داخل الفروع والجهات. هنا لا يتعلق الأمر بحرية رأي فقط، بل بميزان غير متكافئ في تمثيل الحقيقة. لأن الحقيقة ليست ما يقوله من غادر، بل ما يعيشه من بقي.
فالاتحاد الاشتراكي ليس أرشيفا سياسياً يفتح عند الحاجة، ولا اسما يستعمل في سجالات عابرة. هو تنظيم قائم، بنبض داخلي مستمر، بآلاف المناضلين الذين لا يظهرون في الشاشات، لكنهم حاضرون في الميدان، في التأطير، في النقاش، في الدفاع عن الفكرة الاتحادية كاختيار ديمقراطي حداثي. هؤلاء لا يطلب منهم إثبات الوجود، لأن وجودهم فعل يومي، لا تصريح موسمي.
ثم لماذا هذا الإصرار على الدفاع عن “العدميين”؟ أولئك الذين لا يقدمون بديلا، ولا يطرحون مشروعا، بل يكتفون بإعلان النهايات؟
إن تحويل ألسنة العدم إلى مرجعية تحليلية هو في حد ذاته إضعاف للنقاش العمومي. لأن السياسة لا تبنى على إعلان الوفاة، بل على القدرة على الفعل، على التنظيم، وعلى الاستمرار رغم التحولات.
صحيح أن الاتحاد، كغيره من الأحزاب، عرف لحظات مد وجزر، وواجه انتقادات مشروعة، بل ويحتاج إلى مراجعات مستمرة. لكن بين النقد البناء وخطاب الإلغاء مسافة كبيرة. الأول يسهم في التطوير، أما الثاني فلا ينتج سوى الفراغ.
إن الدفاع عن الاتحاد هنا، هو دفاع عن معنى الالتزام الحزبي نفسه. عن فكرة أن السياسة ليست موسمية، ولا قائمة على المواقف الظرفية، بل هي تراكم نضالي، واستمرارية تنظيمية، وإيمان طويل النفس. وهو أيضاً دعوة لإعادة توجيه البوصلة: من الهامش الصاخب إلى المركز الصامت، من الأصوات التي غادرت إلى الأصوات التي ما تزال تصنع المعنى داخل الحزب.
لأن الحزب الذي يمتلك آلاف المناضلين، ليس في حاجة إلى شهادة حياة من أحد. بل في حاجة فقط إلى من يرى… لا من يختار أن لا يرى.
لشكر اختيار تنظيمي أبان عن قدرته على مأسسة الحزب وجعله في قلب منظومة مجتمعية وامتدادات دولية ..
وللحديث بقية ..

