بقلم: حسن نطير
عاد الجدل حول وضعية الفنانين داخل منظومة الحماية الاجتماعية بالمغرب إلى الواجهة، بعد توصل عدد منهم بإشعارات رسمية من طرف الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي تطالبهم بأداء مستحقات مالية داخل آجال محددة، مع التنبيه إلى إمكانية اللجوء إلى مساطر التحصيل الجبري في حالة عدم الامتثال. وتندرج هذه الإجراءات ضمن مقتضيات القانون رقم 15.97 المتعلق بمدونة تحصيل الديون العمومية، والتي تنص على مسار تصاعدي يبدأ بالتحصيل الودي، ثم إصدار أوامر بالتحصيل، وصولاً إلى الحجز على الممتلكات، وقد ينتهي في حالات معينة إلى الإكراه البدني وفق شروط قانونية دقيقة. غير أن هذه الخطوات، رغم استنادها إلى نصوص قانونية قائمة، تثير نقاشاً واسعاً داخل الأوساط الفنية، خاصة في ظل ما يعتبره المعنيون غياباً للوضوح في كيفية تنزيل القوانين المنظمة لوضعيتهم المهنية والاجتماعية.
وتبرز إحدى الحالات التي فجّرت هذا النقاش من خلال فنان توصل يوم 14 أبريل 2026 بإشعار يلزمه بأداء مبلغ 2484.21 درهماً داخل أجل عشرين يوماً، مع التحذير من تفعيل مساطر التحصيل الجبري في حال التأخر. غير أن المعني بالأمر يعتبر هذا الإجراء غير سليم من حيث الأساس، لكونه منخرطاً منذ سنة 2007 في تعاضدية الفنانين، وهو ما يطرح، حسب رأيه، إشكالية الازدواجية في التغطية الصحية، خاصة إذا كانت هذه الأخيرة ذات طابع أساسي وليست تكميلية. ويؤكد في مراسلته أنه سيوافي الجهات المختصة بالوثائق التي تثبت انخراطه، مطالباً بتصحيح وضعيته على ضوء المعطيات الحقيقية.
ولا تتوقف الإشكالات عند حدود ازدواجية التغطية، بل تمتد إلى وضعيات أكثر هشاشة، تتعلق بفنانين يتوفرون على البطاقة المهنية، لكنهم في الواقع لا يستفيدون من فرص عمل منتظمة أو مداخيل قارة. فوجود بطاقة مهنية لا يعني بالضرورة الاندماج الفعلي في سوق الشغل، وهو ما يطرح سؤالاً جوهرياً حول قدرة هذه الفئة على الالتزام بأداء اشتراكات دورية لفائدة الصندوق. إذ كيف يمكن لفنان عاطل أو شبه عاطل، لا يتوفر على دخل قار، أن يتحمل أعباء مالية إضافية تحت طائلة المتابعة القانونية؟ هذا الوضع يكشف عن فجوة واضحة بين النص القانوني والواقع المهني، ويعزز الشعور بضرورة اعتماد مقاربة تأخذ بعين الاعتبار خصوصية المهن الفنية، التي تتسم بعدم الاستقرار والتذبذب في الموارد.
ويستند هذا النقاش إلى مقتضيات القانون رقم 68.16، الذي يشكل الإطار المرجعي لتنظيم القطاع الفني، وإلى القانون رقم 98.15 المتعلق بنظام التأمين الإجباري الأساسي عن المرض لفائدة فئة غير الأجراء. إلا أن الإشكال الجوهري، بحسب العديد من المهنيين، يكمن في تأخر صدور النصوص التطبيقية الخاصة بفئة الفنانين، خصوصاً ما يتعلق بكيفية إدماجهم في هذا النظام وتحديد شروط الاستفادة منه، فضلاً عن غموض العلاقة بين هذا النظام والتعاضديات القائمة. هذا الفراغ التنظيمي يجعل أي تسجيل تلقائي أو قسري محل تساؤل قانوني، بل ويعتبره البعض إجراءً سابقاً لأوانه في غياب إطار تطبيقي واضح ومتكامل.
ولا يقتصر أثر هذا الوضع على الجوانب القانونية فحسب، بل يمتد إلى البعد الاجتماعي لفئة تعاني في جزء كبير منها من هشاشة الدخل وعدم الاستقرار المهني. ففرض التزامات مالية إضافية، مرفوقة بإجراءات زجرية محتملة، يثير مخاوف حقيقية لدى الفنانين، الذين يرون في ذلك ضغطاً قد يزيد من تعقيد أوضاعهم المعيشية بدل تحسينها. كما أن التلويح بالحجز أو الإكراه البدني يُنظر إليه داخل الوسط الفني كتصعيد لا يراعي خصوصية القطاع، الذي يتسم بطبيعته غير المنتظمة وتذبذب مداخيله.
وفي خضم هذا الجدل، تتزايد الدعوات إلى ضرورة فتح نقاش مسؤول بين مختلف الأطراف المعنية، من بينها وزارة الشباب والثقافة والتواصل والصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، بهدف توضيح الرؤية وتسريع إصدار النصوص التطبيقية العالقة، بما يضمن إدماجاً سلساً ومنصفاً للفنانين في منظومة الحماية الاجتماعية. ويظل الرهان الأساسي هو تحقيق التوازن بين توسيع قاعدة المستفيدين من هذه المنظومة، وضمان احترام خصوصيات كل فئة مهنية، حتى لا يتحول ورش تعميم الحماية الاجتماعية من مكسب اجتماعي منتظر إلى مصدر توتر واحتقان داخل قطاعات هشة.

