الدار البيضاء – صوت العدالة
في مشهد يعكس عمق الروابط التي تجمع مكونات الأسرة القضائية المغربية، احتضنت مدينة الدار البيضاء لقاءً رمضانياً مميزاً نظمته الودادية الحسنية للقضاة، في تقليد سنوي دأبت عليه هذه الهيئة المهنية، ليكون فضاءً يتجاوز طابع الإفطار الجماعي إلى لحظة رمزية تستحضر معاني التضامن المهني وروح الانتماء إلى رسالة القضاء النبيلة.

اللقاء، الذي حضره أعضاء من المجلس الأعلى للسلطة القضائية ومسؤولون قضائيون ونقيب هيئة المحامين بالدار البيضاء وعدد من النقباء، إلى جانب رؤساء الجمعيات المهنية القضائية وثلة من القاضيات والقضاة، شكل مناسبة خاصة اجتمع فيها أهل العدالة في أجواء رمضانية مفعمة بروح الصفاء والتقدير المتبادل، في مشهد عكس تماسك الجسم القضائي وحرصه على ترسيخ تقاليد مهنية وإنسانية راسخة.

وفي كلمة مطولة بالمناسبة، رسم الأستاذ محمد رضوان، رئيس الودادية الحسنية للقضاة، معالم رؤية عميقة لدور القضاء ومكانته الأخلاقية داخل المجتمع، مؤكداً أن مثل هذه اللقاءات ليست مجرد مناسبات اجتماعية عابرة، بل هي محطات إنسانية ومهنية تتجدد فيها معاني الانتماء إلى رسالة القضاء، وتتقوى فيها أواصر التضامن بين القضاة.

وأوضح رضوان أن شهر رمضان، بما يحمله من نفحات روحية، يشكل مدرسة للأخلاق وموسماً تتجدد فيه القيم الإنسانية النبيلة، معتبراً أن هذه القيم تتقاطع في جوهرها مع رسالة القضاء التي تقوم على إحقاق الحق وإقامة العدل وصون الكرامة الإنسانية.

وأشار رئيس الودادية الحسنية للقضاة إلى أن القضاء لا يمكن اختزاله في مجرد تطبيق ميكانيكي للنصوص القانونية، بل هو قبل ذلك وبعده منظومة قيمية متكاملة تقوم على الضمير المهني والاستقامة الأخلاقية، مؤكداً أن القاضي لا يحكم بالنص وحده، بل يحكم أيضاً بما يحمله من ضمير حي وإحساس عميق بالعدل.

وفي سياق حديثه عن تطور التجربة القضائية، شدد رضوان على أن العدالة تبنى عبر تراكم التجارب وتكامل الأجيال، مبرزاً أن نقل الخبرة القضائية من القضاة الذين راكموا التجربة إلى القضاة الجدد يشكل أحد أهم الضمانات لاستمرارية القيم المهنية الراسخة داخل محراب العدالة.

ولم يفت رئيس الودادية الحسنية للقضاة التأكيد على أن التجربة القضائية لا تنحصر في المعرفة القانونية فقط، بل تمتد إلى ما تحلى به القضاة الذين سبقوا من أخلاق رفيعة ونزاهة واستقامة وتجرد، مضيفاً أن كثيراً من القضاة القدامى كانوا بحق مدارس في الحكمة ومنارات في النزاهة، يؤطرون الأجيال بسلوكهم قبل أقوالهم.
وفي عبارة تختزل فلسفة العدالة، قال رضوان إن القضاء في حقيقته ليس علماً بالقانون فحسب، بل هو أخلاق في الضمير وعدل في القلب واستقامة في الموقف.

اللقاء الرمضاني لم يقتصر على البعد المهني والفكري، بل حمل أيضاً معاني الاعتراف والوفاء، حيث تم الاحتفاء بالقاضيات المغربيات تزامناً مع اليوم العالمي للمرأة، في التفاتة رمزية تعكس التقدير للدور الذي تضطلع به المرأة القاضية في ترسيخ قيم العدالة وخدمة الصالح العام.
وقد أبرزت هذه اللحظة أن القضاء المغربي بات فضاءً للكفاءة والاستحقاق، حيث أثبتت القاضيات المغربيات حضوراً وازناً داخل مختلف دوائر العدالة، من خلال مسارات مهنية اتسمت بالجدية والالتزام والكفاءة.
كما شهد الحفل تكريم عدد من القضاة المتقاعدين الذين أفنوا سنوات طويلة من أعمارهم في خدمة العدالة، في لحظة وفاء حملت دلالات عميقة حول ثقافة الاعتراف التي تميز تقاليد الأسرة القضائية المغربية.

وفي لحظة إنسانية مؤثرة، استحضر الحاضرون ذكرى عدد من القضاة الذين غادروا إلى دار البقاء بعد مسيرة حافلة بالعطاء في محراب العدالة، حيث تم تكريم أسرهم في التفاتة رمزية تعكس أن روابط الأسرة القضائية لا تنقطع بغياب ولا تنطفئ برحيل.
كما عبرت الودادية الحسنية للقضاة عن امتنانها للشركاء الذين يواكبون مبادراتها وأنشطتها، معتبرة أن العدالة ليست مسؤولية مؤسسة واحدة، بل هي مشروع مجتمعي يتقوى بروح التعاون والتكامل بين مختلف الفاعلين داخل منظومة العدالة.

وفي هذا السياق، أكد المتدخلون أن تعزيز تماسك الجسم القضائي وصيانة مكانته الاعتبارية يشكلان ركيزة أساسية لترسيخ هيبة القضاء وتعزيز ثقة المجتمع في العدالة، وهي الثقة التي تظل أساس دولة الحق والقانون.
وقد اختزل الأستاذ محمد رضوان في ختام كلمته فلسفة التماسك داخل الأسرة القضائية باستحضاره بيتاً للشاعر العربي الأفوه الأودي:
تأبى العِصيُّ إذا اجتمعن تكسُّراً
وإذا افترقن تكسَّرت آحادا.

هكذا لم يكن اللقاء الرمضاني للودادية الحسنية للقضاة مجرد مناسبة اجتماعية، بل كان رسالة مهنية وأخلاقية عميقة، أعادت التذكير بأن العدالة ليست مجرد مؤسسات ونصوص قانونية، بل هي أيضاً منظومة قيم إنسانية تتجسد في ضمير القاضي ونزاهته واستقامته.
وفي ختام اللقاء رفعت أكف الضراعة إلى الله تعالى بأن يحفظ المملكة المغربية في أمنها واستقرارها تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، وأن يوفق القائمين على منظومة العدالة لما فيه خدمة الصالح العام وترسيخ سيادة القانون.

