الرئيسية آراء وأقلام الشباب والأحزاب السياسية: بين خطاب التمكين وواقع الإقصاء

الشباب والأحزاب السياسية: بين خطاب التمكين وواقع الإقصاء

IMG 20250816 WA00362 2 1 1
كتبه كتب في 25 مارس، 2026 - 10:59 مساءً

بقلم: د.يوسف الجياني/ عضو المكتب السياسي و المنسق العام لقطاع الشبيبة بحزب النهضة والفضيلة.

في كل موسم انتخابي، تعود أغلب الأحزاب السياسية لترديد نفس الشعارات: تمكين الشباب، تجديد النخب، ضخ دماء جديدة في الحياة السياسية. لكن، بعيدًا عن هذا الخطاب الجذاب، يطرح سؤال جوهري نفسه بإلحاح: هل هيأت الأحزاب فعلًا الأرضية المناسبة للشباب للانخراط الحقيقي في العمل السياسي، أم أن الأمر لا يتجاوز مجرد ديكور انتخابي؟
نظريًا، لا يمكن إنكار أن أغلبية الأحزاب وفرت آليات مهمة لاستقطاب الشباب، من خلال الأجنحة الشبابية، والبرامج التكوينية، وورشات التأطير السياسي والاجتماعي. كما أن بعض التجارب أفرزت بالفعل وجوهًا شابة استطاعت أن تفرض حضورها داخل المؤسسات المنتخبة. غير أن هذه النماذج تظل محدودة، وغالبًا ما تُقدَّم كاستثناء يُراد به تأكيد القاعدة، لا كتحول بنيوي حقيقي.
المعضلة الأساسية لا تكمن في غياب الفرص الشكلية، بل في طبيعة البيئة السياسية داخل الأحزاب نفسها. فالكثير من هذه التنظيمات لا تزال محكومة بمنطق “الزعيم” وشبكات الولاء، حيث تُمنح المسؤوليات بناءً على القرب والاصطفاف، لا على الكفاءة والاستحقاق. وفي ظل هذا الواقع، يجد الشباب أنفسهم أمام معادلة صعبة: إما الانخراط في لعبة التوازنات الضيقة، أو البقاء في الهامش.
ثم إن الحديث عن التكوين السياسي يظل، في حالات كثيرة، أقرب إلى الشعارات منه إلى الممارسة. فهل تعتمد الأحزاب فعلاً مناهج حديثة قائمة على تطوير التفكير النقدي، والقيادة، وصياغة السياسات العمومية؟ أم أن ما يُقدم لا يتجاوز لقاءات مناسباتية تفتقر إلى الاستمرارية والتأثير؟ التكوين الحقيقي لا يعني فقط نقل المعرفة، بل بناء شخصية سياسية مستقلة وقادرة على المبادرة، وهو ما لا يبدو أنه يحظى بالأولوية داخل عدد من الأحزاب.
أما الديمقراطية الداخلية، فهي الحلقة الأضعف في هذا المسار. فكيف يمكن الحديث عن تمكين الشباب في غياب آليات شفافة لاختيار القيادات، وتداول فعلي على المسؤوليات؟ وكيف يمكن إقناع شاب بالانخراط السياسي وهو يرى أن نفس الوجوه تتكرر، وأن مواقع القرار تظل مغلقة أمام الطاقات الجديدة؟ إن غياب هذه الديمقراطية لا يفرغ فقط خطاب التمكين من مضمونه، بل يساهم أيضًا في تعميق فجوة الثقة بين الشباب والعمل الحزبي.
ورغم هذا التشخيص النقدي، لا يمكن إنكار أن الرهان على الشباب يظل خيارًا لا مفر منه. فالمجتمعات التي لا تُجدد نخبها محكوم عليها بالجمود، والأحزاب التي لا تنفتح على الأجيال الصاعدة تفقد تدريجيًا قدرتها على التأثير والاستمرار. لكن هذا الرهان لن يتحقق إلا إذا انتقلت الأحزاب من منطق الاستقطاب الموسمي إلى منطق الاستثمار الحقيقي في الشباب، عبر تمكينهم من مواقع القرار، وتوفير تكوين جاد، وإرساء قواعد ديمقراطية داخلية واضحة.
في النهاية، السؤال ليس ما إذا كانت الأحزاب تقول إنها تؤمن بالشباب، بل ما إذا كانت تثق فيهم فعلاً. فبين القول والفعل، تتحدد مصداقية العمل السياسي، ويتقرر ما إذا كان الشباب سيكونون شركاء في صناعة القرار… أم مجرد أرقام تُستدعى عند الحاجة.

مشاركة