بقلم عزيز بنحريميدة
ما تزال قضية مقتل الشاب بدر، المعروفة إعلاميا بملف “ولد الفشوش”، تفرز تباعا معطيات وشهادات من شأنها أن تعيد ترتيب كثير من الوقائع، وتدفع نحو إعادة مساءلة الروايات التي جرى تداولها منذ الساعات الأولى للجريمة.
وفي هذا السياق، عاد إلى الواجهة تصريح إحدى الشاهدات الذي كانت قد سجلته إحدى المنابر الإعلامية في اليوم الموالي للواقعة، حيث أكدت أنها كانت بعين المكان، وأنها عاينت تفاصيل ما جرى من بدايته إلى نهايته. هذه الشاهدة، التي تم الاستماع إليها لاحقا في محضر رسمي، صرحت ـ بحسب المعطيات المتداولة في الملف ـ بأن الشخص الذي اعتدى على الضحية وقام بدهسه هو نفسه الذي كان يرتدي لباسا أبيض، وقدمت بشأنه وصفا دقيقا.
وتكتسي هذه المعطيات أهمية خاصة، بالنظر إلى كون الأوصاف التي قدمتها الشاهدة تتقاطع، بحسب ما يتم تداوله في الملف، مع أوصاف أمين رياض، في مقابل معطيات أخرى تفيد بأن أشرف صديق كان يرتدي لباسا أسود، وأن كاميرا المراقبة وثقت مغادرته مكان الحادث قبل دقائق من واقعة الدهس.
وهنا يبرز جوهر الإشكال الذي رافق هذا الملف منذ بدايته، والمتمثل في ما يبدو أنه خلط وقع فيه عدد من المتتبعين بين شخصين مختلفين: أحدهما قيل إنه ظهر في الشريط المصور وهو يرتدي الأبيض، والآخر ظهر، وفق المعطيات نفسها، مرتديا الأسود وغادر المكان قبل تطور الأحداث إلى نهايتها. وهو خلط، إن ثبت أمام المحكمة، من شأنه أن يطرح أسئلة عميقة حول كيفية بناء القناعة في المراحل الأولى من البحث والمتابعة.
الأكثر دلالة في هذا الملف أن رواية هذه الشاهدة لا تبدو معزولة، بل تتقاطع، حسب ما تؤكده مصادر متابعة للقضية، مع إفادات شهود آخرين تحدثت عنهم “صوت العدالة” في مناسبات سابقة، من بينهم شاهد معروف إعلاميا بـ“مول الكلب”، إلى جانب رضا الملاكم وشهود آخرين أكدوا أنهم كانوا بعين المكان لحظة وقوع الأحداث. وتذهب هذه الشهادات، بحسب نفس المعطيات، في اتجاه واحد مفاده أن مرتكب واقعة الدهس هو أمين رياض وليس أشرف صديق.
ويزداد الملف وضوحا بعدما تراجع أمين رياض عن بعض تصريحاته التمهيدية، وتأكيده لاحقا أنه هو من كان يقود السيارة أثناء عملية الدهس، وأن بعض تصريحاته السابقة التي نسبت الفعل إلى أشرف صديق لم تكن مطابقة للحقيقة.
وأمام هذا التشابك، تصبح محكمة الاستئناف بالدار البيضاء مطالبة، أكثر من أي وقت مضى، بتمحيص كل عناصر الإثبات المعروضة عليها، من تسجيلات كاميرات المراقبة، إلى أقوال الشهود، إلى تصريحات المتهمين أنفسهم، وذلك في إطار البحث عن الحقيقة القضائية المجردة، بعيدا عن الانطباعات الجاهزة أو التأثيرات الإعلامية أو الاجتماعية التي قد ترافق القضايا ذات الصدى الواسع.
إن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم بإلحاح هو: إذا كانت هناك تسجيلات مصورة، وشهادات متعددة، وتصريحات متغيرة داخل الملف، فلماذا ما يزال اسم أشرف صديق يطرح بإلحاح في صلب النقاش باعتباره مرتبطا بالفعل الإجرامي؟ وهل نحن أمام قراءة متسرعة للوقائع، أم أمام تضارب في الروايات، أم أمام محاولة لفرض سردية معينة قبل أن تقول المحكمة كلمتها النهائية؟
الثابت قانونا أن الأصل هو قرينة البراءة، وأن الشك يفسر لفائدة المتهم، وأن المحكمة وحدها تملك سلطة الترجيح بين الأدلة والقرائن وفق ما يعرض عليها في جلسات علنية وتحت رقابة القانون. كما أن القاعدة المستقرة تقتضي التعامل بحذر شديد مع تصريحات متهم في مواجهة متهم آخر، ما لم تكن معززة بوسائل إثبات قوية ومتناسقة.
لذلك، فإن الرأي العام اليوم لا ينتظر سوى شيئا واحدا: أن تنتصر العدالة للحقيقة، وأن يوضع كل شخص في الموقع الذي تثبته الأدلة لا الانطباعات، وأن يكون الحكم الاستئنافي عنوانا للإنصاف، سواء بتأكيد المسؤولية في مواجهة من تثبت إدانته، أو برفع المظلمة عن كل من ثبت أن اسمه زج به في الملف بغير سند يقيني.
في مثل هذه القضايا، لا تكفي الضوضاء، ولا تصنع الحقيقة كثرة الترديد، بل تصنعها الأدلة المتماسكة والقراءة القضائية الرصينة. ومحكمة الاستئناف اليوم أمام امتحان دقيق، لا يتعلق فقط بملف شغل الرأي العام، بل بمبدأ أسمى: ألا يدان إلا من ثبتت إدانته يقينا، وألا يتحول الشك إلى أداة لسلب الحرية أو صناعة متهم خارج منطق القانون.

