حين تتحول الجريمة المالية إلى سيناريو مظلم تتقاطع فيه المصالح، وتختلط فيه الأدوار بين الجناة والضحايا، ويُطرح السؤال الكبير: من يحاسب من؟
في واحدة من أخطر القضايا التي هزّت عالم المال والأعمال بالمغرب، تفجرت فضيحة مدوية داخل شركة “كرونوبوست” (Chronopost EMS)، المشروع المشترك بين بريد المغرب والبريد الفرنسي، بعد الكشف عن اختلاس أموال عمومية تُقدّر بحوالي 55 مليون درهم، في ملف تتداخل فيه خيوط الجريمة المالية مع التهديدات ومحاولات القتل، في مشهد أقرب إلى أفلام التشويق السوداء.
القضية، التي فجّر تفاصيلها تحقيق صحفي، تكشف عن شبكة إجرامية منظمة لم تكتفِ بالسطو على المال العام، بل اعتمدت أساليب الترهيب والتصفية الجسدية لإسكات كل من يقترب من الحقيقة.
من سرقة حاسوب إلى شبكة اختلاس معقدة
تعود بداية الخيوط إلى غشت 2019، حين تعرض المدير الإداري والمالي للشركة، محمد الكردودي، لسرقة حاسوبه المحمول في ظروف مشبوهة، بعد استدراجه بحيلة بسيطة عبر إتلاف إطار سيارته.
هذه الواقعة لم تكن عابرة، بل شكلت نقطة الانطلاق لعملية اختراق ممنهجة استهدفت معطيات حساسة، تحولت لاحقاً إلى وسيلة للابتزاز والضغط.
وبعد أسابيع، بدأ الكردودي يتلقى تهديدات تطالبه بتحويل مبالغ مالية مقابل “ملفات مفبركة”، قبل أن تتطور الأمور إلى اعتداء خطير بالسلاح الأبيض في دجنبر 2019، خلّف إصابات بليغة، تلاه تهديد مباشر لأسرته، في رسالة واضحة: “الصمت أو التصفية”.
من التهديد إلى الرعب داخل الشركة
لم تقف التهديدات عند حدود الأفراد، بل امتدت إلى داخل المؤسسة، حيث تعرض مقر “كرونوبوست” بالدار البيضاء لسلسلة من المضايقات الهاتفية، ومحاولات ترهيب المستخدمين، مع استهداف مباشر للمدير العام السابق عبد الرحيم الإدريسي، الذي تعرض بدوره لمحاولة تصفية، في سياق خلق حالة من الذعر العام داخل الشركة.
55 مليون درهم… اختفاء محكم بتواطؤ داخلي
في أكتوبر 2021، بدأت ملامح الاختلاس تتكشف، بعد توالي شكايات الموردين بسبب عدم توصلهم بمستحقاتهم، لتُفتح أبواب التحقيق على واحدة من أكبر عمليات السطو المالي داخل شركة عمومية.
التحريات كشفت عن تورط ثلاثي داخلي يتكون من:
- المدير المالي المؤقت عبد الإله كيكي
- الخازن محمد لكحل
- عامل التوصيل خالد الرمزي
حيث تم اعتماد تقنيات احتيالية دقيقة، من بينها:
- تزوير أوامر تحويلات بنكية
- فبركة لقطات شاشة لعمليات وهمية
- تحويل الأموال نحو شركات صورية
- صرف مبالغ نقدية خارج المساطر القانونية
وقد تم تحديد قيمة الاختلاسات في حدود 55 مليون درهم، مع مؤشرات على أن جزءاً مهماً منها تم الاستيلاء عليه منذ سنة 2017 عبر عمليات ممنهجة.
ثغرات خطيرة في منظومة المراقبة
الملف كشف كذلك عن اختلالات جسيمة في نظام المراقبة المالية، خاصة على مستوى مكتب التدقيق “PwC”، الذي صادق على حسابات سنتي 2019 و2020 دون تسجيل تحفظات، رغم وجود معطيات مالية مشبوهة.
هذه المعطيات دفعت إلى تقديم شكايات تطالب بفتح تحقيق في إهمال مهني محتمل ساهم في تمرير عمليات الاحتيال ومنحها غطاءً قانونياً.
حين تختلط الأدوار: من الضحية إلى المتهم
في تطور مثير للجدل، تحوّل المدير العام السابق عبد الرحيم الإدريسي، الذي يُعتبر من مكتشفي الاختلالات، إلى متابع قضائياً، حيث أُدين رفقة إطار آخر بتهم تتعلق بالإهمال، في وقت ظل فيه المتورطون الرئيسيون في الاختلاس خارج دائرة المساءلة الكاملة.
وقد أُدين خالد الرمزي بـ12 سنة سجناً، بينما فرّ عبد الإله كيكي إلى الخارج، وصدر في حقه أمر دولي بإلقاء القبض، في حين ما يزال البحث جارياً عن محمد لكحل.
خيوط أخطر: شبكة تمتد إلى “القتلة المأجورين”
التحقيقات لم تتوقف عند الجانب المالي، بل كشفت عن ارتباط مباشر بين شبكة الاختلاس وعصابة إجرامية متخصصة في التصفية الجسدية، يقودها شخص يدعى كمال عطرشي.
معطيات رقمية تم استخراجها من هاتف هذا الأخير، أظهرت:
- علاقات وثيقة مع أحد المتورطين الرئيسيين
- تبادل رسائل ومقاطع توثق التنسيق
- استعراض أموال مشبوهة في أماكن عمومية
كما تبيّن وجود روابط عائلية بين عناصر الشبكة، ما يعزز فرضية وجود تنظيم إجرامي مترابط الأدوار.
تبييض الأموال… شركات وعقارات بأسماء الأقارب
في محاولة لإخفاء الأموال المختلسة، تم إنشاء عدد من الشركات خلال الفترة ما بين 2019 و2024، إضافة إلى اقتناء عقارات وممتلكات فاخرة بأسماء أقارب وأزواج المتورطين.
وتشير المعطيات إلى تسجيل ممتلكات وشركات بأسماء أفراد من العائلة، في ما يُشتبه أنه مسار منظم لتبييض الأموال، خاصة بعد تحويل أصول مالية وعقارية قبل فرار بعض المتهمين.
أسئلة ثقيلة تنتظر الأجوبة
هذه القضية، التي ما تزال فصولها مفتوحة، تطرح تساؤلات جوهرية:
- كيف تمكنت شبكة بهذا الحجم من اختراق مؤسسة عمومية؟
- أين كانت أجهزة المراقبة والتدقيق؟
- لماذا يُحاكم البعض بتهم الإهمال، بينما يظل الفاعلون الرئيسيون بعيدين؟
- وهل سيتم ربط كل خيوط الملف في محاكمة واحدة تكشف الحقيقة كاملة؟
خاتمة بأسلوب “صوت العدالة”
ما يجري في ملف “كرونوبوست” ليس مجرد اختلاس مالي، بل امتحان حقيقي لمنظومة العدالة والحكامة.
فحين تتحول الملايين إلى غنيمة، والضحايا إلى متهمين، وتختلط خيوط الجريمة المالية بالتصفية الجسدية، يصبح الرهان الأكبر هو إعادة الثقة في العدالة وكشف الحقيقة كاملة، دون انتقائية أو استثناء.
وفي انتظار كلمة القضاء… يبقى السؤال معلقاً:
هل نحن أمام فضيحة عابرة… أم نموذج خطير لشبكات تنخر المال العام في صمت

