في سياق يعكس دينامية الإصلاح التي يعرفها قطاع العدالة بالمغرب، أعلن المجلس الأعلى للسلطة القضائية عن إجراء انتخابات ممثلي الجمعيات المهنية للقضاة لعضوية مجلس التوجيه والمراقبة لمؤسسة محمد السادس للأعمال الاجتماعية للقضاة وموظفي السلطة القضائية، وذلك يوم الأربعاء 25 مارس 2026، في محطة تنظيمية تؤكد ترسخ الممارسة الديمقراطية داخل الجسم القضائي.
وقد جرت هذه الانتخابات في أجواء اتسمت بالانضباط والمسؤولية، سواء على مستوى التنظيم الإلكتروني بمقر المجلس الأعلى للسلطة القضائية ورئاسة النيابة العامة، أو عبر مختلف محاكم المملكة، وهو ما يعكس مستوى النضج المؤسساتي الذي بلغه القضاة في تدبير شؤونهم المهنية والاجتماعية.
الأبرز في هذا الاستحقاق هو نسبة المشاركة المرتفعة التي بلغت 88.39%، وهي نسبة لا يمكن قراءتها فقط كمعطى رقمي، بل كرسالة واضحة عن انخراط القضاة في مؤسساتهم وثقتهم في آليات التمثيلية المهنية. كما تعكس هذه المشاركة وعياً جماعياً بأهمية مؤسسة محمد السادس للأعمال الاجتماعية باعتبارها رافعة أساسية لتحسين الأوضاع الاجتماعية للقضاة وموظفي القطاع.
النتائج التي أسفرت عنها العملية الانتخابية، وفق محضر لجنة الإشراف المركزية، أفرزت فوز السيد عبد الرزاق الجباري ممثلاً عن جمعية نادي قضاة المغرب، والسيد عبد اللطيف ودان ممثلاً عن جمعية الودادية الحسنية للقضاة، وهو ما يكرس التعددية داخل الحقل الجمعوي القضائي، ويعزز التوازن في تمثيلية القضاة داخل مؤسسة ذات بعد اجتماعي استراتيجي.
هذا الاستحقاق لا يمكن فصله عن المسار العام لإصلاح منظومة العدالة، حيث أصبح القاضي فاعلاً ليس فقط في إنتاج الأحكام، بل أيضاً في المساهمة في تدبير الشأن المهني والاجتماعي داخل إطار مؤسساتي منظم. كما أن الاحتكام إلى صناديق الاقتراع داخل الجسم القضائي يعزز ثقافة الاختيار الديمقراطي ويكرس مبادئ الشفافية والاستقلالية.
إن الرسالة الأعمق التي تحملها هذه الانتخابات هي أن العدالة، في بعدها المؤسساتي، لا تكتمل فقط عبر النصوص القانونية، بل أيضاً من خلال ممارسات ديمقراطية داخلية تعزز الثقة وتدعم الاستقرار المهني. وهي خطوة أخرى في مسار بناء سلطة قضائية حديثة، مستقلة، ومنفتحة على رهانات الحكامة الجيدة.
وفي المحصلة، فإن هذه الانتخابات تؤكد أن الجسم القضائي المغربي يسير بخطى ثابتة نحو ترسيخ نموذج مؤسساتي متوازن، قوامه المشاركة، والمسؤولية، والالتزام بأخلاقيات المهنة، بما يخدم في نهاية المطاف ثقة المواطن في العدالة كركيزة أساسية لدولة الحق والقانون

