■ رضوان الطاهري
هل تُقاس التنمية بارتفاع الأرقام في التقارير الرسمية، أم بانخفاض الاختناق في صدور المواطنين؟ هل التنمية أن يُترك الفرد وحيدا يتدبر أمره، يواجه الغلاء وضعف الخدمات وتآكل الدخل، بينما تُرفع الشعارات عن التقدم والنمو؟ أسئلة تبدو بديهية، لكنها تكشف فجوة عميقة بين مفهوم التنمية كما يُروج له، والتنمية كما يعيشها الناس في تفاصيل حياتهم اليومية.
التنمية، في جوهرها، ليست مشاريع إسمنتية ولا مؤشرات اقتصادية مجردة، بل عملية شاملة هدفها الإنسان: كرامته، أمنه الاجتماعي، قدرته على التخطيط لمستقبله دون خوف دائم من المجهول. حين يشعر المواطن بأنه مخنوق، محاصر بتكاليف المعيشة، مثقل بالضرائب والرسوم، قلق على صحته وتعليم أبنائه، فإن أي حديث عن التنمية يصبح فاقدا لمعناه الأخلاقي قبل أن يكون محل شك اقتصادي.
ليست المشكلة في مطالبة المواطن بالمشاركة أو تحمل جزء من المسؤولية؛ فذلك جزء طبيعي من العقد الاجتماعي. المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه المشاركة إلى عبء كامل، وعندما تُنقل مسؤوليات الدولة الأساسية — في الصحة، والتعليم، والحماية الاجتماعية — إلى كاهل الفرد، دون تمكين حقيقي أو دخل عادل أو خدمات بديلة. عندها لا نكون أمام تنمية، بل أمام إدارة للأزمة على حساب الأضعف.
التنمية الحقيقية لا تطلب من المواطن أن “يتدبر أمره” بوصف ذلك فضيلة، بينما تُغلق أمامه فرص العمل الكريم، أو يُدفع إلى الهشاشة الاقتصادية، أو يُترك رهينة تقلبات السوق دون شبكات أمان. فالفرد الذي ينشغل يوميًا بتأمين الأساسيات لا يمكن أن يكون منتجا، ولا مبدعا، ولا شريكا فعليا في أي مشروع وطني.
كما أن اختزال التنمية في أرقام النمو يتجاهل سؤال العدالة: من يستفيد من هذا النمو؟ وهل ينعكس على جودة حياة الأغلبية أم يتركز في جيوب فئات محدودة؟ فالتنمية التي لا تقلص الفوارق الاجتماعية، ولا تحمي الطبقة الوسطى، ولا ترفع مستوى العيش العام، هي تنمية ناقصة، مهما بدا شكلها لامعا في الخطابات.
الدولة، في أي مشروع تنموي جاد، ليست مراقبا محايدا ولا محاسبا صارما فقط، بل شريك ضامن. دورها أن توازن بين الكفاءة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية، وأن توفر الحد الأدنى من الطمأنينة التي تسمح للمواطن أن يعمل ويخاطر ويبدع دون أن يشعر بأنه قد يسقط في الفراغ عند أول عثرة.
ليست التنمية أن يختنق المواطن، ولا أن يُترك وحيدا في مواجهة الحياة، ولا أن يُطالَب بالصبر الدائم مقابل وعود مؤجلة. التنمية الحقيقية هي أن يشعر الإنسان بأن جهده مجز، وأن حقوقه مصانة، وأن مستقبله ليس مقامرة يومية. ما عدا ذلك، قد يكون إدارة، أو تقشفا، أو تكيفا قسريا… لكنه ليس تنمية.

