الرئيسية آراء وأقلام د.عبد الرحيم بوعيدة يكتب عن سياسة المفاتيح..

د.عبد الرحيم بوعيدة يكتب عن سياسة المفاتيح..

IMG 20260128 WA01211
كتبه كتب في 28 يناير، 2026 - 11:17 مساءً

يوسف العيصامي: صوت العدالة

الذين يكتبون اليوم عن حزب التجمع الوطني للأحرار، أغلبهم يكتبون من وراء الزجاج، من خارج التجربة لا من دفئها، من حواف الحكاية لا من قلبها.. أما أنا، فأكتب وفي يدي ذاكرة المجرب، وفي صدري بقايا طريق عشته طويلًا؛ بعضه كان عائليًا يشبه الإرث الذي لا نختاره، وبعضه كان سياسيًا حين حملت اسم الحزب إلى انتخابات الجهة سنة 2015، كمن يحمل راية لا يعرف إن كانت ستقوده إلى الضوء أم إلى الظل.

منذ 2016، دخل الحزب زمنًا آخر، زمنًا اختلط فيه القادمون الجدد بوجوه الأمس، وتوارى المؤسسون كما تتوارى الصور القديمة في أدراج النسيان..
في المؤتمرات التي حضرتها، كنا نصفق كثيرًا ونفكر قليلًا، نمدّ الأكف دون أن نمدّ الأسئلة..
غاب النقاش وحضر المديح، تراجعت الكفاءة وتقدمت المسافات: من اقترب من الرئيس، ومن ابتعد عنه..
عندها فقط، فهمت أن الولاء صار بطاقة عبور، وأن الكفاءة أصبحت مجرد تفصيل في هامش المشهد.

لهذا لا أستغرب اليوم أن يُسلَّم الحزب مفاتيحه في يد وافد جديد، وأن يستمر السياق نفسه الذي جاء برئيسه المنتهية ولايته، كأن التاريخ يدور في حلقة مفرغة، يعيد المشهد ذاته بأسماء مختلفة.

أشفق على السيد أوجار، وعلى من تبقى معه من المؤسسين ومجايلي النشأة، حتى لا أقول المناضلين، لأن للنضال حمولة أثقل من أن تحتملها هذه اللحظة، لا في هذا الحزب ولا في غيره، إلا من رحم ربك..
أشفق عليهم لأنهم ساهموا، بقصد أو بدونه، في تحويل ما تبقى من تاريخ حزب كان، مهما اختلفنا معه، جزءًا من ذاكرة هذا البلد.. واليوم، البكاء بعد الميت، كما يقولون، لا يعيد للحكاية نبضها ولا للجسد روحه.

أنا غادرت الحزب وانتقدته يومها، وقُدت مع إخوة وأخوات “حركة تصحيحية” تفرقت بنا السبل كما تتفرق القوافل في الصحراء. وحين طُردنا، قلنا إن ذلك لم يكن طردًا من الجنة، بل وسامًا على الصدر، أن نغادر حزبًا بدأ يشبه شركة مناولة أكثر مما يشبه فكرة سياسية.

واليوم، وأنا أستعيد بعض ذلك الماضي، يضحكني من يقول إن الرئيس قدّم درسًا في الديمقراطية، وإن المرشح الجديد اختيار موفق.. ويزيدني حزنًا أن أرى بعض صحافتنا وأساتذة جامعاتنا يصفقون لشاب جاء حديثًا من حزب آخر، ويكتبون اسمه في دفاتر “الإنجازات الديمقراطية”، كأنه سطر جديد في كتاب سيدّعي أصحابه يومًا أنه دخل التاريخ.

سأكتب أنا أيضًا، يومًا ما، كتابًا عن مسار انتكاساتي السياسية.. وسيكون لحزب الأحرار فصل خاص، يعيد ترتيب الذاكرة كما تُرتَّب الصور القديمة على طاولة خشبية، واحدة واحدة، بلا رتوش ولا أقنعة.

سأكتبه بقلمي وحده، ببساطة من يعرف أن الكتابة هي المهنة الوحيدة التي لا تخونه، ولن أحتاج إلى مكتب دراسات ولا إلى مستشار، لأن الذاكرة حين تصدق، تصبح وحدها أعظم مستشار…

مشاركة