بقلم عزيز بنحريميدة
في ملف الدكتور بدر، لم يعد النقاش محصوراً فقط في وقائع ليلة مأساوية، بل امتد ليطرح سؤالاً أعمق وأخطر: هل نحن فعلاً أمام بحث جماعي عن الحقيقة، أم أمام محاولة لتكريس رواية واحدة، مهما كانت تناقضاتها، حتى وإن كان الثمن إزهاق روح بريئة بحكم قضائي قد لا يستند إلى اليقين؟
القضية، كما بات معلوماً، تعرف تعدداً في الروايات وتضارباً في التصريحات. فبين إصرار أمين رياض على أنه من كان يقود السيارة لحظة الدهس، وتمسك سمرة برواية مغايرة تُحمّل أشرف صديق المسؤولية، ظهرت عناصر جديدة قلبت موازين النقاش، في مقدمتها تسجيلات كاميرات المراقبة وشهادات شهود عيان أكدوا أنهم كانوا بعين المكان، وأن الاعتداء تم بالتناوب من طرف سمرة وزويتة وأمين رياض ، وأن السائق كان واضح الهوية بالنسبة لهم هو امين رياض الذي اعترف بذلك.
ووسط هذا التعقيد، يبرز موقف أسرة الضحية، وهو موقف مفهوم إنسانياً ومشحون بالألم والصدمة، لكنه في الآن ذاته يطرح إشكالاً دقيقاً حين يتحول إلى رفض مسبق لأي معطى قد لا ينسجم مع قناعة ترسخت منذ البداية. فرفض الام مشاهدة تسجيل مصور قد يحمل جزءاً من الحقيقة، أو التشكيك المطلق في كل رواية مغايرة، يفتح الباب أمام خطر اختزال الحقيقة في زاوية واحدة، بينما العدالة بطبيعتها تقوم على التمحيص والتدقيق وتعدد زوايا النظر.
الأخطر من ذلك، هو ما بدأ يطفو على السطح من حملات تشكيك ممنهجة في الشهود وفي كل من يحاول تقديم قراءة مختلفة للوقائع. فبدل أن تُستقبل الشهادات كمعطيات تستوجب الفحص والتقييم من طرف المحكمة، أصبح مجرد الإدلاء برواية مغايرة كافياً لاتهام صاحبها في ذمته ونيته، بل ووصمه بأوصاف تمس شرفه ومصداقيته. وهنا نكون أمام انزلاق خطير من نقاش قانوني إلى محاكمة اجتماعية موازية، تُصادر حق الاختلاف وتُجرّم البحث عن الحقيقة.
في منطق القانون، حين تتضارب التصريحات، لا يُحتكم إلى العاطفة ولا إلى الأكثر صراخاً، بل إلى وسائل الإثبات المشروعة، وعلى رأسها شهادة الشهود، متى توفرت شروطها القانونية، إلى جانب الأدلة التقنية ككاميرات المراقبة. هذه الوسائل لا تُقدّس، لكنها أيضاً لا تُلغى بمجرد الشك أو الانطباع، بل تخضع لتقدير المحكمة التي تملك وحدها سلطة الترجيح بين الروايات بناءً على قناعتها الوجدانية المبنية على عناصر موضوعية.
إن التشكيك في الشهود بشكل مطلق، دون تقديم دليل مضاد، لا يخدم الحقيقة، بل يساهم في طمسها. ومن يسعى إلى إسقاط كل خيط قد يقود إلى كشف الوقائع كما حدثت، إنما يحاول، بوعي أو بدونه، أن يحجب ضوء الشمس بغربال، وأن يفرض رواية أحادية في ملف متعدد الأوجه.
السؤال الذي يفرض نفسه بإلحاح:
لماذا نصدق سمرة و نكذب امين رياض
لماذا نصدق سمرة و نكذب كاميرا المراقبة
لماذا نصدق سمرة و نكذب الشهود
هل سمرة نبي او ولي من أولياء الله الصالحين
لماذا يتم تصديق رواية واحدة رغم تناقضها مع معطيات أخرى؟ لماذا تُمنح بعض تصريحات سمرة صفة الحقيقة المطلقة، بينما تُقابل باقي العناصر – من اعترافات، وشهادات، وتسجيلات – بالإنكار أو التشكيك؟ هل العدالة تُبنى على الانتقاء، أم على التجميع والتحليل والترجيح؟
إن الإعلام النزيه ، حين يفتح المجال لمختلف الأصوات والشهادات، لا يصدر أحكاماً، بل يمارس دوره في تنوير الرأي العام وتسليط الضوء على كل الزوايا الممكنة. أما الحسم، فهو اختصاص حصري لهيئة المحكمة، التي تبقى الضامن الوحيد لتقييم جدية التصريحات وتمحيص الأدلة بعيداً عن ضغط العاطفة أو ضجيج الرأي العام.
إننا اليوم أمام مفترق طرق: إما أن نختار طريق العدالة المبنية على البحث الهادئ والمتجرد عن الحقيقة، بكل تعقيداتها وتناقضاتها، أو ننزلق نحو محاكمات موازية تصنع “حقيقتها” الخاصة، وقد تقود – لا قدر الله – إلى إعدام بريء فقط لأنه لم ينسجم مع الرواية الأكثر تداولاً والتي تحركها خيوط سيتم الكشف عنها مستقبلا.
فالحقيقة لا تُفرض بالصوت المرتفع، ولا تُختزل في رواية واحدة، ولا بادراف الدموع ،بل تُبنى لبنة لبنة، من خلال كل دليل صادق، وكل شهادة نزيهة، وكل قراءة موضوعية. وما عدا ذلك، ليس سوى ضباب قد يحجب الرؤية… لكنه لا يغير من الحقيقة شيئاً.
فحذاري من الظلم فالظلم ظلمات يوم القيامة

