بقلم: عزيز بنحريميدة – مدير جريدة صوت العدالة
في أقصى جنوب المملكة، حيث تمتزج رهانات التنمية الاقتصادية بخصوصية المجال الجغرافي والاجتماعي، تبرز النيابة العامة بالمحكمة الابتدائية بالداخلة كنموذج عملي لتفعيل السياسة الجنائية الحديثة، القائمة على التوازن بين حماية المجتمع وصون حقوق الأفراد. نموذج لم يعد يكتفي بتطبيق النصوص، بل يسعى إلى تنزيل فلسفة عدالة جديدة، قوامها النجاعة، والإنصاف، وترشيد التدخل الزجري.
لقد شكلت ملفات الصلح أحد أبرز مداخل هذا التحول، حيث أبانت النيابة العامة بالداخلة عن وعي عميق بأهمية العدالة التصالحية في تخفيف العبء على المحاكم، وتقريب العدالة من المواطن، وترميم العلاقات الاجتماعية التي قد تهتز بسبب نزاعات عرضية. فبدل الانسياق نحو منطق العقاب في كل الحالات، تم تفعيل آليات الصلح في عدد مهم من القضايا، خاصة تلك ذات الطابع البسيط أو العائلي، ما ساهم في إنهاء النزاعات بشكل ودي، وحفظ كرامة الأطراف، وتفادي الآثار السلبية للمسطرة الجنائية.
وفي السياق ذاته، يبرز ترشيد الاعتقال الاحتياطي كخيار استراتيجي يعكس نضجا مؤسساتيا في التعاطي مع الحرية الفردية، باعتبارها الأصل، والاعتقال استثناء. فقد عملت النيابة العامة بالداخلة على تقليص اللجوء إلى هذا الإجراء، إلا في الحالات التي تبرره بوضوح خطورة الفعل أو احتمال الفرار أو التأثير على سير العدالة. وهو توجه ينسجم مع التوجيهات الوطنية الرامية إلى الحد من الاكتظاظ داخل المؤسسات السجنية، وضمان قرينة البراءة، واحترام حقوق الإنسان في أسمى تجلياتها.
أما على مستوى تفعيل العقوبات البديلة، فإن التجربة بالداخلة تسير بخطى واثقة نحو تكريس هذا الورش الإصلاحي، الذي يهدف إلى تجاوز المقاربة العقابية الصرفة، وتعويضها بعقوبات ذات بعد إصلاحي وإدماجي. فالعقوبات البديلة، من قبيل العمل لأجل المنفعة العامة أو المراقبة القضائية، تشكل فرصة حقيقية لإعادة إدماج الجانحين داخل المجتمع، دون قطع روابطهم الأسرية والمهنية، وهو ما ينعكس إيجابا على نسب العود، ويعزز الأمن المجتمعي بشكل مستدام.
وإذا كانت الأرقام والمؤشرات تعكس تحقيق نسب متميزة في هذه المجالات، فإن الأهم من ذلك هو الروح التي تؤطر هذا الأداء، والمتمثلة في تخليق الحياة العامة، عبر محاربة كل أشكال الفساد والانحراف، والتصدي بحزم لكل ما من شأنه المساس بثقة المواطن في العدالة. فالتخليق لم يعد شعارا، بل ممارسة يومية تتجلى في الشفافية، وربط المسؤولية بالمحاسبة، والتفاعل الجدي مع شكايات المواطنين.
ولا يمكن الحديث عن هذا النجاح دون الوقوف عند علاقة الانسجام والتكامل التي تجمع بين النيابة العامة برئاسة الاستاذ رشيد كردام ورئاسة المحكمة برئاسة الاستاذ طارق التاقي رئاسة أطر و موظفي كتابة الضبط وباقي المتدخلين في منظومة العدالة. هذا التناغم المؤسسي يشكل حجر الزاوية في تحقيق النجاعة القضائية، حيث يتم تدبير الملفات بروح الفريق، وتبادل المعطيات بشكل سلس، وتوحيد الرؤية حول خدمة العدالة والمواطن.
إن ما تحقق بالداخلة ليس مجرد أرقام عابرة، بل هو تجسيد فعلي لإرادة إصلاحية عميقة، تجعل من العدالة أداة لبناء الثقة، وترسيخ دولة الحق والقانون. تجربة تستحق التثمين، ليس فقط لنتائجها، بل لكونها تقدم درسا عمليا في كيفية الانتقال من عدالة تقليدية إلى عدالة مواطنة، قريبة من هموم الناس، ومنفتحة على بدائل أكثر إنسانية وفعالية

