الرئيسية آراء وأقلام قانون الشيكات الجديد: هل نحن أمام عقلنة للعقاب أم إعادة تعريف لفلسفة التجريم؟

قانون الشيكات الجديد: هل نحن أمام عقلنة للعقاب أم إعادة تعريف لفلسفة التجريم؟

IMG 20260203 WA0082
كتبه كتب في 3 فبراير، 2026 - 6:34 مساءً

بقلم: يوسف العيصامي
طالب باحث بسلك الدكتوراه في القانون

دخل القانون رقم 71.24، المعدِّل والمتمم للقانون رقم 15.95 المتعلق بمدونة التجارة، حيز التنفيذ بعد نشره بالجريدة الرسمية، مُعلنًا عن مرحلة جديدة في التعاطي التشريعي مع جرائم إصدار الشيكات بدون مؤونة. وهو دخول لا يمكن قراءته فقط من زاوية تقنية، بل يفرض نقاشًا أعمق حول فلسفة العقاب الجنائي وحدود تدخل القانون الزجري في النزاعات ذات الطابع المالي.

لقد ظلّ الشيك، لعقود، محاطًا بحماية جنائية صارمة، انطلقت من اعتباره أداة وفاء لا أداة ائتمان. غير أن الممارسة كشفت، مع مرور الزمن، عن اختلالات حقيقية، تمثلت في تضخم عدد المتابعات، وتحوّل العقوبة السالبة للحرية إلى جواب شبه آلي عن نزاع جوهره مالي واقتصادي.

من منطق الزجر إلى منطق التسوية

أبرز ما يلفت الانتباه في القانون الجديد هو تقليص العقوبة الحبسية لتتراوح بين ستة أشهر وثلاث سنوات، بعد أن كانت تمتد إلى خمس سنوات، وهو ما يعكس توجّهًا واضحًا نحو عقلنة العقاب والحد من الاعتقال في الجرائم غير العنيفة.

غير أن التحول الأعمق يتجلى في ربط إنهاء المتابعة القضائية بالأداء، ليس فقط في مرحلة البحث أو المحاكمة، بل حتى بعد صدور حكم نهائي. فالأداء، وفق الصيغة الجديدة، يُسقط المتابعة، يُلغي مذكرات البحث، ويوقف تنفيذ العقوبة الحبسية، بما يجعل الحرمان من الحرية وسيلة ضغط استثنائية لا غاية في حد ذاتها.

الأسرة خارج دائرة التجريم

كما يُسجَّل للمشرّع إلغاء الطابع الجنائي لإصدار الشيك بدون مؤونة داخل الإطار الأسري، بين الأزواج أو بين الأصول والفروع. وهو اختيار تشريعي يُكرّس مبدأ أن القانون الجنائي يجب أن يظل الملاذ الأخير، خاصة حين يتعلق الأمر بنزاعات يغلب عليها الطابع الشخصي والعائلي.

مهلة قبل الاعتقال وغرامة رمزية

ومن بين المستجدات اللافتة كذلك، منح مهلة قانونية للتسوية قبل الاعتقال، مع إمكانية إخضاع المعني بالأمر للمراقبة بالسوار الإلكتروني، فضلًا عن تخفيض الغرامة إلى 2% فقط بدل 25%. وهي إجراءات تعكس إرادة تشريعية واضحة في تشجيع الحلول الرضائية وتخفيف الكلفة الجنائية للنزاع.

بين المرونة والمخاوف المشروعة

غير أن هذه المرونة، رغم وجاهتها، تطرح تساؤلات مشروعة حول الأثر الردعي للقانون. فالتوسع في إسقاط المتابعة بمجرد الأداء، وتخفيض الغرامة إلى حدها الأدنى، قد يفتح الباب أمام سوء النية، ويُغري بعض المتعاملين باستعمال الشيك كأداة ائتمان مؤجل لا كوسيلة وفاء فوري.

وهو ما يجعل نجاح هذا الإصلاح رهينًا بـحسن التطبيق القضائي، وبالتمييز الصارم بين المدين حسن النية والمتلاعب بمصداقية الشيك، حمايةً للثقة الائتمانية التي تقوم عليها المعاملات التجارية، خصوصًا لفائدة التجار والمقاولات الصغرى.

خاتمة

إن قانون الشيكات الجديد لا يمكن اختزاله في كونه تخفيفًا للعقوبات، بقدر ما هو إعادة ترتيب لأولويات التجريم، ومحاولة لإعادة التوازن بين حماية الحرية الفردية وضمان الأمن التعاقدي. ويبقى الرهان الحقيقي معقودًا على الاجتهاد القضائي، الذي سيُحدّد ما إذا كان هذا النص خطوة نحو عدالة أكثر نجاعة، أم مجرد انتقال من إفراط زجري إلى تساهل غير محسوب.

مشاركة