الرئيسية آراء وأقلام الوزير المستورد

الوزير المستورد

FB IMG 1772734874562
كتبه كتب في 5 مارس، 2026 - 6:23 مساءً

بقلم الاستاذ كفيل محمد الامين العام لحزب النهضة والفضيلة

قد أتفق مع سيادة الوزير رياض مزور في نقطة واحدة على الأقل: نعم، المغرب بلد المغاربة، وعودتهم إليه ليست منّة ولا فضلاً. نعم، “بلادهم هادي”. لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة: ماذا أعددتم أنتم، يا سيادة الوزير، لهؤلاء المغاربة؟

قبل أن تطلب من مغاربة العالم أن يعودوا ببساطة لأن الوطن وطنهم، كان الأجدر أن تسأل نفسك: هل وفّر لهم الوطن الذي تديرون شؤونه نفس الشروط التي دفعتهم إلى المغادرة أصلاً؟

المغرب الذي غادره ملايين الشباب لم يغادروه نزوة ولا ترفاً. غادروه لأنهم اصطدموا بواقع يعرفه كل مغربي:
المحسوبية، الزبونية، ضعف تكافؤ الفرص، وتعليم عمومي يعاني منذ عقود.

ولو كان هذا التعليم الذي يتلقاه أبناء هذا البلد على نفس المستوى الذي تتحدث عنه اليوم بثقة، فهل كنت أنت نفسك ستسافر إلى سويسرا للدراسة في المعهد الفدرالي للتكنولوجيا بزيورخ، أحد أقوى المعاهد الهندسية في العالم؟
هل كنت ستبحث عن تكوين في الخارج لو أن منظومتنا التعليمية كانت تقدم نفس الجودة؟

المفارقة المؤلمة يا سيادة الوزير أن كثيراً ممن خاطبتهم بلهجة “بزعط” هم خريجو جامعات ومؤسسات أجنبية لأنهم لم يجدوا في بلدهم ما وجدته أنت في الخارج.

ثم عدت أنت إلى المغرب بعد مسار مهني مريح في الشركات الدولية، لتصبح وزيراً في حكومة تتحدث اليوم بلغة التعالي عن أولئك الذين صنعوا نجاحهم خارج الحدود.

لكن لنترك الخطاب جانباً ونتحدث بلغة الأرقام.

تحويلات مغاربة العالم بلغت في السنوات الأخيرة أكثر من 110 مليارات درهم سنوياً.
هذا الرقم لا يمثل مجرد تحويلات عائلية؛ إنه شريان اقتصادي حقيقي.
• هذه التحويلات تفوق في بعض السنوات مداخيل السياحة.
• وتنافس أحياناً الاستثمارات الأجنبية المباشرة.
• وهي أحد أهم مصادر العملة الصعبة التي يعتمد عليها الاقتصاد الوطني.

بكلمة أوضح:
الذين قلت لهم “بزعط” هم أحد أعمدة الاستقرار المالي للمغرب.

ليس هذا فحسب.

هؤلاء الذين يعيشون في فرنسا وإسبانيا وبلجيكا وهولندا أصبحوا، دون تكليف رسمي، سفراء للمغرب في الخارج.

هم الذين يدافعون عن صورة بلدهم في الجامعات والشركات والإعلام.
هم الذين يفتحون الأبواب للاستثمارات.
هم الذين يربطون الاقتصاد المغربي بالأسواق الدولية.

وفي كثير من الأحيان يفعلون ما تعجز عنه الدبلوماسية الرسمية.

بل أكثر من ذلك.

قبل أن يكونوا رجال أعمال أو مهندسين أو أطباء في المهجر، فهم رعايا صاحب الجلالة الملك محمد السادس.
وهم أيضاً من أكثر الفئات تعلقاً بالوطن والملك، يشهد على ذلك حضورهم القوي في كل القضايا الوطنية الكبرى.

والآن دعنا نطرح سؤال المقارنة البسيط:

هؤلاء المغاربة الذين يعيشون بعيداً عن الوطن:
• يرسلون المليارات سنوياً.
• يدافعون عن صورة المغرب في الخارج.
• يستثمرون عندما تسمح الظروف.
• ويحافظون على ارتباطهم الثقافي والوطني.

فماذا قدمتم أنتم لهم؟

ماذا قدمت لهم حكومة تتحدث عن تشجيع الاستثمار بينما يشتكي المستثمر من البيروقراطية والعقار الصناعي الباهظ وتعقيد المساطر؟

ماذا قدمتم لجيل كامل من الكفاءات المغربية التي لا تزال تفضل بناء مستقبلها خارج البلاد؟

يا سيادة الوزير، المسألة ليست في عبارة عابرة أو كلمة دارجة خرجت في لحظة حماس.
المشكلة أعمق من ذلك بكثير.

المشكلة أن بعض المسؤولين يتحدثون أحياناً وكأن النجاح الذي حققه المغاربة في الخارج يجب أن يمر عبر بوابة الإذن الحكومي.

والحال أن الحقيقة مختلفة تماماً.

نجاح هؤلاء تحقق رغم العراقيل، وليس بفضل السياسات.

ولهذا ربما كان من الأجدر، قبل أن نطالبهم بالعودة إلى بلدهم لأن “بلادهم هادي”، أن نسأل أنفسنا سؤالاً بسيطاً:

هل جعلنا هذا البلد فعلاً مكاناً يريدون العودة إليه؟

ذلك هو السؤال الحقيقي.

مشاركة