بقلم: ياسين بن ارحيل | جريدة صوت العدالة | سلا.
في الآونة الأخيرة، تداولت صفحات مشبوهة على مواقع التواصل الإجتماعي أخبارا خطيرة تزعم مقتل شاب أثناء التحقيق من طرف الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء. وهي معطيات لم تدعم بأي بلاغ رسمي أو وثيقة قضائية، وتم ترويجها في سياق مشحون يهدف إلى إثارة البلبلة وضرب ثقة المواطنين في المؤسسات بعيدا عن منطق المسؤولية والتحقق.
لهذا فإن خطورة هذه الإشاعات لا تكمن فقط في مضمونها، بل في المنهج الذي تروج به، حيث يتم تقديم إدعاءات خطيرة كأنها حقائق ثابتة، دون إنتظار نتائج التحقيقات القضائية أو التقارير الطبية أو التوضيحات الرسمية، في خرق واضح لأبسط قواعد العمل الإعلامي وأخلاقيات النشر.
وانطلاقا من تجربتي الشخصية، أجد نفسي معنيا بتوضيح جانب من الحقيقة المغيّبة. فقد سبق أن خضعت لتحقيقات من طرف الفرقة الوطنية للشرطة القضائية بالدار البيضاء، بعدما تم اعتقالي من طرف أمن سلا بناءا على مذكرة بحث وطنية وكان ذلك في ظروف قانونية وإنسانية محترمة، حيث تم الإلتزام الصارم بالإجراءات المعمول بها، وتم التعامل معي بمهنية عالية وانضباط واضح من كل الضباط الذي حققوا معي دون أي مساس بكرامتي أو بحقوقي القانونية المكفولة دستوريا، بالرغم من حجم الملف الذي كنت متهما به من طرف بعض مفبركين الملفات.
وقد شمل التحقيق معي لأكثر من 5 مقابلات، الإستماع الدقيق، والتدقيق في المعطيات، والتعامل الجدي مع الوقائع، في إطار يطبعه الإحترام المتبادل وتحت إشراف قانوني واضح، وهو ما يتناقض جذريًا مع الصورة السوداوية التي تحاول بعض الجهات تسويقها لأغراض مشبوهة لا تخفى على المتابعين.
ولا ننسى أن الأخطر من الإشاعة ذاتها، هم مروّجو المعطيات المشبوهة، الذين يتعمدون تضليل الرأي العام عبر روايات مفبركة أو مجتزأة، مع علمهم المسبق بتأثيرها الخطير على استقرار المجتمع وثقة المواطنين في مؤسساتهم. فهؤلاء لا يمكن اعتبارهم مجرد “ناشري أخبار”، بل فاعلين في حملة تضليل ممنهجة، تخدم، عن قصد أو عن غير قصد، أجندات معادية للمصلحة الوطنية.
وفي هذا السياق إن استهداف مؤسسات سيادية عبر ادعاءات غير مثبتة، دون سند قانوني أو معطيات رسمية، ليس نقدًا ولا تعبيرًا عن رأي، بل سلوك عدائي يرقى إلى مستوى التواطؤ مع خطاب الفوضى، ويكشف عن الإستهتار الخطير بمصلحة الوطن، لأن حرية التعبير لا تعني حرية الكذب، والنقد لا يبرر ترويج الإشاعة، والإدعاء لا يُغني عن الدليل وخصوصا عندما يتم تحويل الإشاعة إلى حقيقة قبل كلمة القضاء، لا يخدم العدالة ولا الحقيقة، بل يسيء إليهما، ويستغل مشاعر المواطنين لأغراض رخيصة، ويضرب مبدأ قرينة البراءة، سواء تعلق الأمر بالأفراد أو بالمؤسسات.
وعليه، فإن المسؤولية الوطنية تفرض التمييز بين الوقائع الثابتة والإدعاءات المشبوهة، وترك الكلمة الفصل للمؤسسات القضائية المختصة، بدل الإنسياق خلف حملات رقمية تقتات على الإثارة والتضليل.
فالوطن لا يُخدم بالصراخ الرقمي ولا بتأجيج الفتن، بل بالحقيقة، والمسؤولية، واحترام دولة القانون، مهما حاول المضللون طمسها، تبقى أقوى من الإشاعة، وأبقى من حملات التشويه.

