دراسة مقارنة في ضوء التحولات الرقمية
الدكتور عبد العزيز البعلي
مقدمة
أضحى الحق في الصورة في العصر الرقمي أحد أهم تجليات حماية الحياة الخاصة، وذلك في ظل التحولات العميقة التي عرفتها وسائل الاتصال والتواصل الحديثة، وما رافقها من انتشار واسع للهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي التي جعلت التقاط الصور وتداولها عملية سهلة وسريعة. وقد أدى هذا التطور التكنولوجي إلى بروز إشكالات قانونية جديدة تتعلق بحدود استعمال صورة الشخص دون رضاه، ومدى إمكانية مساءلة الفاعلين عن الأفعال التي تمس بالحياة الخاصة للأفراد.
ويكتسي الحق في الصورة أهمية خاصة باعتباره امتدادًا للحق في الحياة الخاصة الذي كرسه دستور المملكة المغربية لسنة 2011 ضمن منظومة الحقوق والحريات الأساسية، حيث نص الفصل 24 على أن لكل شخص الحق في حماية حياته الخاصة، كما نص الفصل 25 على ضمان حرية الفكر والرأي والتعبير، وهو ما يفرض إيجاد توازن دقيق بين حماية الخصوصية الفردية وضمان حرية التعبير والإعلام.
كما أن حماية الخصوصية ليست مسألة قانونية حديثة فحسب، بل تجد جذورها كذلك في المرجعية الدينية والأخلاقية، حيث أكد الإسلام على حرمة الحياة الخاصة وصون كرامة الإنسان، كما يظهر ذلك في قوله تعالى: “ولا تجسسوا”.
وعلى المستوى الدولي، كرست العديد من الاتفاقيات الدولية الحق في حماية الحياة الخاصة، ومن أبرزها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لسنة 1966 الذي نص في المادة 17 على حماية الأفراد من أي تدخل تعسفي في حياتهم الخاصة، وكذلك الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان التي نصت في المادة 8 على الحق في احترام الحياة الخاصة والعائلية.
وقد تدخل المشرع المغربي لتكريس هذه الحماية من خلال إدراج مجموعة من المقتضيات ضمن القانون الجنائي، ومن أبرزها الفصل 447-1 الذي يجرم التقاط أو تسجيل أو نشر صورة شخص دون موافقته إذا تم ذلك أثناء وجوده في مكان خاص. كما عزز قانون الصحافة والنشر رقم 88.13 هذه الحماية، حيث نص في الفصل 89 على منع نشر صورة شخص دون موافقته إذا كان من شأن ذلك المساس بحياته الخاصة أو كرامته.
غير أن صياغة هذه النصوص القانونية جاءت عامة، حيث اكتفى المشرع بالإشارة إلى “صورة شخص” دون تحديد معيار دقيق للتعرف على الشخص المعني بالصورة. ويطرح هذا الأمر إشكالات عملية خاصة في الحالات التي لا تظهر فيها ملامح الوجه بشكل واضح، أو عندما يتم التعرف على الشخص من خلال عناصر أخرى مثل البنية الجسدية أو السياق الذي التقطت فيه الصورة أو المعطيات الرقمية المرتبطة بها.
وتزداد هذه الإشكالات تعقيدًا مع التطور المتسارع للتقنيات الرقمية، ولا سيما تقنيات الذكاء الاصطناعي والتعرف البيومتري التي أصبحت قادرة على تحديد هوية الأشخاص اعتمادًا على معطيات متعددة.
كما أن حماية الخصوصية ليست مسألة قانونية حديثة فحسب، بل تجد جذورها كذلك في المرجعية الدينية والأخلاقية، حيث أكد الإسلام على حرمة الحياة الخاصة وصون كرامة الإنسان، كما يظهر ذلك في قوله تعالى: “ولا تجسسوا”.
وعلى المستوى الدولي، كرست العديد من الاتفاقيات الدولية الحق في حماية الحياة الخاصة، ومن أبرزها العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية لسنة 1966 الذي نص في المادة 17 على حماية الأفراد من أي تدخل تعسفي في حياتهم الخاصة، وكذلك الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان التي نصت في المادة 8 على الحق في احترام الحياة الخاصة والعائلية.
وانطلاقًا من ذلك يطرح هذا الموضوع إشكالية مركزية تتمثل في:
إلى أي حد يوفر التشريع المغربي حماية فعالة للحق في الصورة، وما مدى انسجام التطبيق القضائي مع متطلبات حماية الحياة الخاصة في ظل التحولات الرقمية؟
وللإجابة عن هذه الإشكالية سيتم تناول الموضوع من خلال محورين رئيسيين:
المحور الأول: الإطار القانوني والقضائي للحق في الصورة.
المحور الثاني: التحديات الرقمية والمعايير التفسيرية لحماية الحق في الصورة.
المحور الأول
الإطار القانوني و القضائي للحق في الصورة
يقتضي تحليل حماية الحق في الصورة الوقوف بداية على الإطار القانوني الذي يؤطر هذا الحق في التشريع المغربي، مع إبراز الدور الذي لعبه القضاء في تفسير النصوص القانونية وتكييفها مع الوقائع العملية.
فالمشرع المغربي لم يضع تنظيماً قانونياً مستقلاً للحق في الصورة، وإنما أدرجه ضمن منظومة حماية الحياة الخاصة، وهو ما جعل القضاء يلعب دورًا مهمًا في تحديد نطاق تطبيق هذه الحماية.
أولًا: الأساس الدستوري والتشريعي للحق في الصورة
يستمد الحق في الصورة أساسه القانوني من مجموعة من النصوص الدستورية والتشريعية التي تهدف إلى حماية الحياة الخاصة للأفراد.
فقد كرس دستور 2011 حماية الحياة الخاصة باعتبارها حقًا أساسيًا من حقوق الإنسان، وهو ما يشكل الأساس الدستوري لحماية صورة الشخص باعتبارها جزءًا من هويته الشخصية.
كما نص الفصل 447-1 من القانون الجنائي على تجريم التقاط أو تسجيل أو بث أو توزيع صورة شخص دون موافقته إذا تم ذلك أثناء وجوده في مكان خاص.
وقد جاء قانون الصحافة والنشر رقم 88.13 ليعزز هذه الحماية من خلال الفصل 89 الذي يمنع نشر صورة شخص دون موافقته إذا كان من شأن ذلك المساس بحياته الخاصة أو كرامته.
ثانيًا: الاجتهاد القضائي المغربي
ساهم القضاء المغربي في توضيح نطاق تطبيق النصوص القانونية المتعلقة بحماية الحياة الخاصة.
فقد اعتبرت محكمة النقض المغربية أن قيام الجريمة المنصوص عليها في الفصل 447-1 من القانون الجنائي يقتضي إثبات أن التقاط الصورة تم في مكان خاص، وأن الفعل يشكل مساسًا بالحياة الخاصة للشخص المعني.
وفي هذا الإطار قضت محكمة النقض بأن تصوير شخص في فضاء عام لا يشكل في حد ذاته الجريمة المنصوص عليها في الفصل المذكور ما لم يقترن الفعل بعناصر أخرى تمس بالحياة الخاصة.
(قرار محكمة النقض عدد 196/3 بتاريخ 15 مارس 2018).
كما أكدت المحكمة أن تقدير عناصر الجريمة يظل خاضعًا لسلطة قضاة الموضوع في استخلاص الوقائع وتكييفها القانوني.
(قرار محكمة النقض عدد 742 بتاريخ 12 يوليوز 2019).
وتكشف هذه الاجتهادات أن القضاء المغربي يركز أساسًا على عنصرين رئيسيين:
وقوع الفعل في مكان خاص.
تحقق المساس بالحياة الخاصة.
ثالثًا: الاجتهاد القضائي المقارن
في القانون الفرنسي يعتبر الحق في الصورة أحد فروع الحق في احترام الحياة الخاصة.
وقد استقر اجتهاد محكمة النقض الفرنسية على أن الاعتداء على الحق في الصورة يتحقق متى كان الشخص قابلاً للتعرف حتى في حالة عدم ظهور الوجه بشكل واضح.
(Cour de cassation, 12 décembre 2000).
كما أكدت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان في قضية Von Hannover v. Germany (2004) أن نشر الصور الشخصية دون مبرر يتعلق بالمصلحة العامة يشكل انتهاكًا للحق في احترام الحياة الخاصة.
المحور الثاني
التحديات الرقمية والمعايير التفسيرية لحماية الحق في الصورة
أدت الثورة الرقمية إلى تغيير طبيعة الصورة ووظيفتها بشكل جذري، حيث لم تعد مجرد تمثيل بصري للشخص، بل أصبحت معطى معلوماتيًا يمكن تحليله ومعالجته بواسطة تقنيات متقدمة.
أولًا: الحق في الصورة في ظل وسائل التواصل الاجتماعي
أدى انتشار وسائل التواصل الاجتماعي إلى تضاعف حالات نشر الصور دون موافقة أصحابها.
وقد عرفت المحاكم المغربية عددًا من القضايا المرتبطة بنشر الصور عبر الإنترنت، حيث تمت متابعة بعض الأشخاص بتهمة المساس بالحياة الخاصة نتيجة نشر صور شخصية دون موافقة أصحابها.
كما أن التطور التكنولوجي أتاح إمكانيات جديدة للتعرف على الأشخاص، مثل:
التعرف على الوجه
تحليل المشية
الربط بين البيانات الرقمية
ثانيًا: دور الذكاء الاصطناعي في تحديد الهوية
أصبحت تقنيات الذكاء الاصطناعي قادرة على تحليل الصور وربطها ببيانات أخرى، مما يسمح بتحديد هوية الأشخاص حتى في الحالات التي لا تظهر فيها ملامح الوجه.
وهذا التطور يطرح تحديات قانونية جديدة تتعلق بمدى كفاية المعايير التقليدية لحماية الحق في الصورة.
ثالثًا: المعيار التفسيري المقترح
في ضوء هذه التحولات، يبدو من الضروري اعتماد معيار تفسيري متوازن لتطبيق النصوص القانونية المتعلقة بالحق في الصورة يقوم على العناصر التالية:
إمكانية التعرف الموضوعي على الشخص.
الاعتماد على قرائن جدية أو خبرة تقنية موثوقة.
عدم الاكتفاء بالاحتمالات البعيدة.
احترام مبدأ الشك لفائدة المتهم.
خاتمة
يتضح من خلال هذا التحليل أن الحق في الصورة يمثل أحد أهم مظاهر حماية الحياة الخاصة في العصر الرقمي.
غير أن التطور التكنولوجي يفرض تطوير الاجتهاد القضائي واعتماد معايير تفسيرية جديدة تضمن تحقيق التوازن بين حماية الحياة الخاصة وضمان حرية التعبير.
ويبدو أن اعتماد معيار قابلية التعرف الموضوعي على الشخص يشكل أحد الحلول المناسبة لتعزيز حماية الحق في الصورة في البيئة الرقمية.
المراجع
الدستور المغربي 2011.
القانون الجنائي المغربي.
قانون الصحافة والنشر رقم 88.13.
Jean Pradel, Droit pénal général, Dalloz.
Philippe Malaurie, Les droits de la personnalité.
العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان.
اجتهادات محكمة النقض المغربية.
قرارات محكمة النقض الفرنسية.

