بقلم: يوسف العصامي
تثير مسألة عدم ارتداء رجال الأمن الوطني والدرك الملكي لحزام السلامة أثناء قيادتهم للمركبات الوظيفية نقاشاً مجتمعياً وقانونياً مستمراً. فبينما تنص مدونة السير المغربية على إجبارية الحزام وتفرض غرامات على مخالفيها، يلاحظ المواطنون أن حماة القانون غالباً ما يتجاوزون هذه القاعدة. فهل الأمر يتعلق بـ “امتياز” وظيفي، أم أن هناك مبررات قانونية وعملياتية تفرضها طبيعة المهنة؟
تعتبر المادة 48 من القانون رقم 52.05 المتعلق بمدونة السير، ارتداء حزام السلامة واجباً قانونياً لا محيد عنه. إلا أن المشرع المغربي، ومن خلفه المقتضيات التنظيمية، استوعب أن مركبات “الأولوية” و”القوة العمومية” تخضع لمنطق خاص.
فالقانون لا ينظر إلى رجل الأمن كراكب عادي، بل كعنصر في حالة “تأهب مستمر”. ومن هنا، تبرز الاستثناءات التي تجعل عدم ارتداء الحزام ضرورة مهنية في حالات معينة:ً
إن الوظيفة الأساسية للدوريات الأمنية هي التدخل الفوري. في حالات المداهمة أو المطاردة أو رصد جريمة متلبس بها، يشكل حزام السلامة عائقاً زمنياً قد يمتد لثوانٍ حاسمة. رجل الأمن ملزم بالخروج من العربة في أسرع وقت ممكن، وأي تأخير ناتج عن فك الحزام قد يؤدي إلى إفلات مجرم أو تعريض حياة المواطنين للخطر.
ومن الناحية التقنية، يرتدي رجال الأمن “حزاماً وظيفياً” (Ceinturon) يحتوي على معدات التدخل (السلاح الوظيفي، الأصفاد، أجهزة اللاسلكي). هذا التجهيز يجعل من الصعب جداً، وأحياناً من المستحيل، إحكام ربط حزام السلامة الخاص بالسيارة فوقه بشكل سليم، كما أن الاحتكاك المستمر قد يؤدي إلى تعطل حركة الوصول السريع للسلاح في حالات الدفاع الشرعي عن النفس.
في بعض المناطق الحساسة أو أثناء نقل الموقوفين، قد يكون بقاء رجل الأمن مقيداً بحزام السلامة خطراً عليه في حال تعرض الدورية لهجوم مباغت. حرية الحركة داخل المقصورة تسمح لعنصر الأمن باتخاذ وضعيات دفاعية أو الرد على مصدر الخطر بسرعة لا يوفرها الحزام.
رغم هذه الاستثناءات الميدانية، فإن المديرية العامة للأمن الوطني، وفي إطار حرصها على تخليق المرفق الأمني، ما فتئت تصدر مذكرات مصلحية تحث عناصرها على الالتزام بقواعد السير في الحالات التي لا تستوجب تدخلاً عاجلاً. فالأصل هو الامتثال للقانون لتقديم القدوة، والاستثناء هو التخلي عن الحزام لضرورة العمل.
إن إعفاء رجال الأمن من ارتداء حزام السلامة ليس “شيكاً على بياض” لخرق القانون، بل هو رخصة مهنية تمليها “حالة الضرورة”. فالمشرع وضع القوانين لحماية الأرواح، وفي حالة رجل الأمن، قد يكون “فك الحزام” هو الوسيلة الأنجع لحماية أمن المجتمع وضمان سرعة الوصول إلى مسرح الجريمة.

