بقلم عزيز بنحريميدة
في لحظة مشحونة بكل معاني المسؤولية القانونية والأخلاقية، خرج الأستاذ زهرش، دفاع المتهم أشرف صديق، بتصريح قوي لوسائل الإعلام، أعاد من خلاله توجيه بوصلة النقاش نحو جوهر العدالة: البحث عن الحقيقة، لا مسايرة الأحكام الجاهزة. تصريح لم يكن عادياً، بل كان صرخة قانونية مدوية، حملت في طياتها قناعة راسخة بأن موكله “بريء… بريء… بريء”، وأن ما صدر في حقه من حكم بالإعدام لا يعكس حقيقة ما جرى بقدر ما يعكس اختلالاً في قراءة الوقائع والأدلة.
الأستاذ زهرش لم يكتفِ بإعلان موقف دفاعي تقليدي، بل بنى تصريحه على معطيات وصفها بالموضوعية والملموسة، مؤكداً أن دليل البراءة “موجود في الشريط”، وأن تسجيلات الفيديو التي استُعملت للإدانة يمكن أن تتحول، عند تمحيصهاوتحليلها بشكل دقيق، إلى قرينة قوية على نفي التهمة. وهنا يبرز طلبه الجوهري أمام هيئة الحكم، والمتمثل في إعادة فحص وتحليل الشريط الكامل، بدل الاكتفاء بمقاطع قد توحي بوقائع غير مكتملة أو مُؤولة بشكل خاطئ.
كما شدد الدفاع على أن الملف لا يخلو من شهادات، وصفها بكونها “تُظهر البراءة”، مطالباً بالاطلاع الشامل على أقوال الشهود، دون انتقائية أو اجتزاء، لأن العدالة لا تُبنى على أجزاء مبتورة، بل على صورة كاملة متكاملة. وفي هذا السياق، اعتبر أن ما تقدم به من ملتمسات ليس ضرباً من الخيال، بل طلبات واقعية ومشروعة، تصب في صميم ضمانات المحاكمة العادلة، وتندرج ضمن حق الدفاع في تمحيص الأدلة ومناقشتها بكل حرية.
ولم يغفل الأستاذ زهرش جانباً بالغ الحساسية في هذا الملف، يتعلق بالتقرير الطبي الصادر عن الطبيبة الشرعية، حيث طالب بالاطلاع عليه بشكل دقيق ومفصل، معتبراً أن هذا التقرير قد يحمل مفاتيح أساسية لفهم السبب الحقيقي للوفاة، بعيداً عن أي تأويل أو استنتاج متسرع. فالقضايا الجنائية، خاصة تلك التي تصل إلى عقوبة الإعدام، لا تحتمل الخطأ، ولا تقبل أنصاف الحقائق.
وفي خضم هذا السجال القانوني، وجّه دفاع أشرف صديق انتقادات واضحة لما وصفه بـ“التجييش الإعلامي” الذي رافق الملف، معتبراً أن بعض وسائل الإعلام وصفحات التواصل الاجتماعي ساهمت في تكريس صورة نمطية سابقة لأوانها عن موكله، تحت مسمى “ولد الفشوش”، وهو وصف يحمل في طياته حكماً قيمياً يسبق حكم القضاء، ويؤثر بشكل مباشر أو غير مباشر على الرأي العام، بل وربما على مسار العدالة نفسها.
إن تصريح الأستاذ زهرش، في عمقه، ليس مجرد دفاع عن متهم، بل هو دفاع عن مبدأ: قرينة البراءة. فحين يقول إن موكله “محكوم بالإعدام ظلماً وعدواناً”، فإنه لا يطلق حكماً مضاداً، بل يطالب بإعادة النظر في مسار تشكّل القناعة القضائية، على ضوء كل الأدلة، دون إقصاء أو انتقائية أو ضغط خارجي.
وبين ضجيج التأويلات وصخب مواقع التواصل، تبقى الكلمة الفصل للقضاء، الذي يجد نفسه اليوم أمام مسؤولية تاريخية: عبر إعادة فتح نوافذ الشك المشروع، الذي يفسر – كما هو مستقر في الفقه والقضاء – لصالح المتهم.
ليظل هذا الملف امتحاناً حقيقياً لعدالة تُقاس بقدرتها على الإنصاف، لا بسرعة إصدار الأحكام. وبين تأكيد الدفاع على البراءة، وانتظار الحقيقة الكاملة، يبقى الأمل معقوداً على قضاء يُنصت لكل الأصوات… لكنه لا يحكم إلا بما يثبت يقيناً، بعيداً عن كل ضغط أو تأثير.

