بقلم: إيمات الفناسي
لم يعد الحديث عن التوترات في مضيق هرمز مجرد متابعة لأخبار إقليمية عابرة، بل أصبح مدخلًا لفهم تحولات أعمق تضرب بنية النظام العالمي. فهذا الممر البحري الضيق، الذي يمر عبره نحو خُمس النفط العالمي، تحول إلى نقطة ارتكاز استراتيجية تتقاطع فيها الجغرافيا بالسياسة، والاقتصاد بالقوة العسكرية.
إن أي اضطراب في مضيق هرمز لا ينعكس فقط على أسعار الطاقة، بل يمتد تأثيره إلى سلاسل الإمداد العالمية، ويُعيد طرح أسئلة جوهرية حول قدرة النظام الدولي على احتواء الأزمات. فإغلاق هذا الممر، ولو بشكل مؤقت، كفيل بإحداث صدمة عنيفة في الأسواق، قد تدفع بأسعار النفط إلى مستويات قياسية، وتُدخل الاقتصاد العالمي في موجة جديدة من التضخم وعدم الاستقرار.
غير أن الأهمية الحقيقية لهذه التوترات لا تكمن في آثارها الاقتصادية المباشرة فحسب، بل في دلالاتها السياسية العميقة. إذ بات واضحًا أن الهيمنة التي مارستها الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب الباردة، خاصة بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، لم تعد تُدار بنفس الفعالية. فالعالم اليوم يشهد انتقالًا تدريجيًا من نظام أحادي القطب إلى فضاء دولي أكثر تعقيدًا وتعددًا في مراكز القوة.
في هذا السياق، تبرز إيران كنموذج لدولة إقليمية تسعى إلى فرض معادلة جديدة تقوم على السيادة الاستراتيجية ورفض الإملاءات الخارجية. ورغم خصوصية الحالة الإيرانية، فإنها تعكس توجهًا أوسع لدى عدد من القوى الإقليمية التي لم تعد تقبل بالتموقع الهامشي داخل النظام الدولي، بل تسعى إلى توسيع هامش استقلال قرارها السياسي والاقتصادي.
غير أن تعميم هذا النموذج يظل محل نقاش. فالكلفة العالية للمواجهة المباشرة مع القوى الكبرى، والتشابك العميق للاقتصادات الوطنية مع النظام المالي العالمي، يجعلان كثيرًا من الدول تميل إلى مقاربة أكثر براغماتية، تقوم على التوازن بدل القطيعة، وعلى التفاوض بدل التصعيد.
أما في حال تحقق السيناريو الأكثر تطرفًا، والمتمثل في إغلاق فعلي لمضيق هرمز، فإن التداعيات ستكون فورية وعنيفة. إذ ستشهد الأسواق العالمية حالة من الذعر، وسترتفع أسعار الطاقة بشكل حاد، كما ستجد القوى الكبرى نفسها أمام اختبار حقيقي لقدرتها على حماية مصالحها الحيوية. وفي مثل هذا السياق، يصبح خطر الانزلاق نحو مواجهة عسكرية واسعة احتمالًا قائمًا، وإن كان غير مرغوب فيه من جميع الأطراف.
بالنسبة لدول مثل المغرب، التي تعتمد بشكل كبير على استيراد الطاقة، فإن مثل هذا التطور سيترجم سريعًا إلى ضغوط اقتصادية داخلية، من خلال ارتفاع أسعار المحروقات، وتزايد كلفة المعيشة، واتساع عجز الميزانية. وهو ما يعكس هشاشة الاقتصادات المرتبطة بالخارج أمام صدمات جيوسياسية بعيدة جغرافيًا، لكنها عميقة التأثير.
في المحصلة، لا يمكن النظر إلى مضيق هرمز باعتباره مجرد ممر بحري استراتيجي، بل باعتباره مرآة تعكس تحولات النظام العالمي. فالأزمة هناك ليست سوى عرض لتحول أوسع، يتمثل في إعادة توزيع القوة على المستوى الدولي، وصعود فاعلين جدد، وتراجع القدرة على فرض الهيمنة الأحادية.
إن العالم لا يتجه نحو الفوضى بقدر ما يسير نحو نظام أكثر تعقيدًا، حيث تتداخل المصالح وتتصارع الإرادات، دون أن يتمكن طرف واحد من حسم المعادلة بشكل نهائي. وفي قلب هذا التحول، يظل مضيق هرمز نقطة اشتعال محتملة، لكنها أيضًا مؤشر دقيق على ملامح العالم الذي يتشكل أمامنا.

