يشكل الرأي الأخير الصادر عن المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي حول مشروع القانون رقم 16.22 المتعلق بتنظيم مهنة العدول محطة بارزة في مسار نقاش تشريعي يثير الكثير من الجدل، خاصة في ظل تباين الرؤى بين مختلف الفاعلين المؤسساتيين حول مستقبل التوثيق العدلي بالمغرب.
هذا الرأي، الذي جاء بناء على إحالة من مجلس النواب بتاريخ 21 يناير 2026، لم يقتصر على تقديم قراءة تقنية لمضامين المشروع، بل سعى إلى تحقيق توازن دقيق بين ضرورة تحديث المهنة وتعزيز حماية المرتفقين، باعتبار ذلك جوهر أي إصلاح تشريعي يهدف إلى خدمة المصلحة العامة.
وفي صلب توصياته، شدد المجلس على أهمية تمكين العدول من آلية الإيداع، باعتبارها ركيزة أساسية لضمان أمن المعاملات وصيانة حقوق المتعاقدين. فغياب هذه الآلية، حسب المجلس، من شأنه أن يحد من فعالية الدور التوثيقي للعدول ويضعف الثقة في خدماتهم، في حين أن اعتمادها وفق معايير دقيقة من الشفافية والأمن سيمكن من تعزيز الأمن القانوني والتعاقدي.
ولم يقف الرأي عند هذا الحد، بل سجل مجموعة من الملاحظات الجوهرية التي تعكس اختلالات بنيوية في المشروع، أبرزها غياب دراسة الأثر، وكثرة الإحالات على نصوص تنظيمية دون تحديد آجال زمنية لإصدارها، إضافة إلى تردد واضح في تنزيل تصور متكامل لعصرنة منظومة التوثيق العدلي. كما أثار المجلس إشكالات عميقة مرتبطة بآلية “خطاب القاضي”، وثنائية التلقي، وشهادة اللفيف، وما تطرحه من تحديات تتعلق بتكافؤ الفرص بين مهنيي التوثيق وضمان المنافسة الشريفة.
وفي مقابل هذه التوصيات، يبرز موقف وزارة العدل، الذي ما زال متحفظاً، بل ورافضاً، لتمكين العدول من آلية الإيداع، وهو موقف يثير تساؤلات مشروعة حول مدى انسجام السلطة التنفيذية مع توجهات المؤسسات الدستورية وهيئات الحكامة.
فإذا كانت الإحالة على المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي تعكس إرادة تشريعية للاستئناس برأي هيئة دستورية مختصة، فما الذي يبرر الإبقاء على موقف حكومي مغاير؟ وهل يتحول الرأي الاستشاري إلى مجرد إجراء شكلي، أم أنه يفترض أن يكون موجهاً فعلياً لصناعة القرار التشريعي؟
أسئلة تضع مشروع القانون 16.22 في قلب نقاش دستوري وسياسي عميق، يتجاوز حدود المهنة ليطال طبيعة العلاقة بين السلط، وحدود التفاعل مع مؤسسات الحكامة، ومدى احترام روح الدستور في تدبير الاختلافات داخل منظومة التشريع.
وفي ظل هذا السياق، يبدو أن مستقبل هذا النص لن يتحدد فقط داخل قبة مجلس المستشارين، بل أيضاً في مدى قدرة الفاعلين على بناء توافق يوازن بين متطلبات الإصلاح وضمانات الثقة، بما يخدم العدالة التعاقدية ويعزز دولة القانون.
مؤسسة دستورية تنصف العدول وتحرج مشروع قانون 16.22

كتبه Srifi كتب في 17 أبريل، 2026 - 2:12 مساءً
مقالات ذات صلة
17 أبريل، 2026
نشاط تضامني يُدخل الفرحة إلى قلوب أطفال في وضعية إعاقة
صوت العدالة – سلانظّمت الجمعية المغربية للمعاقين جسديًا، يوم الخميس 16 أبريل 2026، بدار الشباب التقدم، نشاطًا تضامنيًا مميزًا، في [...]
17 أبريل، 2026
إقليم الخميسات…مبادرة إنسانية توفر النقل المدرسي لمستفيدات دار الطالبة عين الجوهرة
صوت العدالة- عبد السلام اسريفي في خطوة تعكس روح التضامن والتكافل الاجتماعي، شهدت دار الطالبة بجماعة عين الجوهرة توفير حافلة [...]
17 أبريل، 2026
انقلاب قارب صيد تقليدي قبالة ميناء سيدي إفني.. نجاة بحار واستمرار البحث عن شقيقه المفقود
صوت العدالة / يونس بوبو في حادث مأساوي، شهد مدخل ميناء سيدي إفني، صباح اليوم الجمعة 17 أبريل الجاري، حادث [...]
17 أبريل، 2026
خصاص “كناش الحالة المدنية” بمراكش يفاقم معاناة الساكنة… ومطالب بتدخل عاجل لوالي جهة مراكش اسفي
أبو إياد / مكتب مراكش تعيش ساكنة مدينة مراكش ونواحيها على وقع أزمة متصاعدة بسبب الخصاص الحاد في “كناش الحالة [...]
