دورية جديدة لرئاسة النيابة العامة تدعو إلى تفعيل مسطرة الصلح لتخفيف العبء عن المحاكم وتعزيز حقوق الضحايا
في خطوة تعكس توجهاً متزايداً نحو تحديث السياسة الجنائية بالمغرب وترسيخ مفهوم العدالة التصالحية، أصدرت رئاسة النيابة العامة دورية جديدة تدعو من خلالها إلى تفعيل مسطرة الصلح كبديل عن الدعوى العمومية، وذلك في إطار تنزيل المقتضيات الجديدة التي جاء بها القانون رقم 03.23 المعدل لقانون المسطرة الجنائية.
هذه الدورية، الموجهة إلى الوكلاء العامين للملك لدى محاكم الاستئناف ووكلاء الملك لدى المحاكم الابتدائية، تؤكد على ضرورة إعطاء أولوية أكبر لآليات الصلح والوساطة باعتبارها إحدى الأدوات الحديثة لتدبير النزاعات الجنائية البسيطة، بما يحقق التوازن بين حماية حقوق الضحايا وترشيد اللجوء إلى القضاء الزجري.
تحول في فلسفة العدالة الجنائية
تكشف الدورية عن تحول واضح في فلسفة العدالة الجنائية بالمغرب، حيث لم يعد الهدف مقتصراً على المتابعة والعقاب، بل أصبح إيجاد حلول تصالحية بين أطراف النزاع خياراً مشروعاً ومفضلاً في عدد من القضايا.
وقد منح المشرع بموجب التعديلات الجديدة لوكلاء الملك صلاحية اقتراح الصلح تلقائياً على الأطراف والسعي إلى تحقيقه بينهم، مع إمكانية الاستعانة بالوساطة عبر وسيط أو أكثر يتم اقتراحهم من طرف الأطراف أو اختيارهم من طرف النيابة العامة. كما يمكن إسناد مهمة الوساطة إلى محامي الطرفين أو مكتب المساعدة الاجتماعية بالمحكمة لضمان نجاح مسطرة الصلح.
وفي حال عدم حضور المشتكي أو ثبوت تنازله كتابة، يمكن اقتراح صلح يتمثل في أداء غرامة تصالحية لا تتجاوز نصف الحد الأقصى للغرامة المقررة قانوناً أو إصلاح الضرر الناتج عن الفعل الجرمي.
توسيع نطاق الجرائم المشمولة بالصلح
ومن أبرز المستجدات التي جاءت بها التعديلات التشريعية توسيع نطاق الجرائم التي يمكن فيها اعتماد الصلح. فبعد أن كان مقتصراً على بعض الجنح الضبطية، أصبح يشمل عدداً من الجنح التأديبية الأكثر شيوعاً مثل:
- الضرب والجرح
- السرقة
- النصب
- خيانة الأمانة
وهو ما يعكس توجهاً واضحاً نحو تقليص اللجوء إلى المتابعات القضائية في القضايا التي يمكن تسويتها بشكل ودي بين الأطراف.
كما سمحت المقتضيات الجديدة بتطبيق الصلح في بعض القضايا التي يكون فيها طفل في نزاع مع القانون، مع مراعاة مصلحته الفضلى والسعي إلى حل النزاع دون اللجوء إلى المتابعة القضائية.
أرقام تكشف تنامي الاعتماد على الصلح
الأرقام التي كشفت عنها الدورية تعكس نجاحاً متزايداً لهذه الآلية خلال السنوات الأخيرة. فقد ارتفع عدد المستفيدين من مسطرة الصلح من:
- 8219 حالة سنة 2023
- إلى 15862 حالة سنة 2024
- ثم 21963 حالة سنة 2025
وهو ما يمثل ارتفاعاً بنسبة تقارب 38%، ما يدل على تنامي الوعي بأهمية هذه الآلية في تدبير النزاعات الجنائية.
دعوة للنيابات العامة لتكثيف الجهود
ورغم هذا التحسن الملحوظ، سجلت رئاسة النيابة العامة أن بعض النيابات العامة لا تزال تعتمد هذه المسطرة بشكل محدود مقارنة بعدد القضايا المعروضة عليها، وهو ما دفعها إلى الدعوة إلى بذل مزيد من الجهود لتفعيلها وتعميمها.
كما شددت الدورية على ضرورة:
- المبادرة إلى اقتراح الصلح كلما توفرت شروطه القانونية
- تفعيل الوساطة بين الأطراف
- تتبع تنفيذ الالتزامات المتفق عليها
- موافاة رئاسة النيابة العامة بالإحصائيات المرتبطة بتفعيل المسطرة
نحو عدالة أكثر إنصافاً ونجاعة
يرى متتبعون للشأن القضائي أن توسيع نطاق الصلح يشكل خطوة مهمة نحو تعزيز النجاعة القضائية وتقليص الضغط على المحاكم، خصوصاً في القضايا التي يمكن تسويتها بشكل سريع يرضي جميع الأطراف.
كما يساهم هذا التوجه في ترسيخ ثقافة العدالة التصالحية التي تقوم على إصلاح الضرر وإعادة التوازن الاجتماعي بدل الاقتصار على العقاب، وهو ما يتماشى مع التحولات الحديثة التي تعرفها الأنظمة الجنائية في العالم.

