بقلم: د.يوسف الجياني/ عضو المكتب السياسي و المنسق العام لقطاع الشبيبة بحزب النهضة والفضيلة.
يشكل اقتراب شهر رمضان مناسبة تتجدد معها الجهود الرامية إلى تأمين تموين الأسواق الوطنية وضمان استقرار الأسعار وحماية القدرة الشرائية للمواطنين. وفي هذا الإطار، تباشر القطاعات الحكومية المختصة سلسلة من الاجتماعات والإجراءات التنسيقية لمواكبة ارتفاع الطلب على المواد الأساسية، والتصدي لأي ممارسات احتكارية أو مضاربات محتملة.
ورغم أهمية هذه التدابير الظرفية، فإن النقاش العمومي يطرح بإلحاح مسألة الانتقال من منطق التعبئة الموسمية إلى اعتماد منظومة رقابية مؤسساتية مستدامة، تقوم على الاستباق بدل رد الفعل، وعلى الوقاية بدل المعالجة اللاحقة للمخالفات. فالتحديات المرتبطة بسلامة وجودة المنتجات، واستقرار الأسعار، لا تقتصر على فترة زمنية محددة، بل تندرج ضمن رهانات دائمة تستوجب معالجة شمولية.
في هذا السياق، تبرز أهمية اعتماد مقاربات حديثة لتتبع سلاسل الإنتاج والتوزيع، وفق المعايير الدولية المعتمدة في تحليل المخاطر ونقاط المراقبة الحرجة، بما يضمن تتبع المنتجات عبر مختلف المراحل، من المصدر إلى نقطة البيع. كما يظل تعزيز مراقبة شروط النقل والتخزين عاملاً حاسماً في الحد من الاختلالات التي قد تمس سلامة المستهلك.
ومن بين الإشكالات البنيوية المطروحة، اتساع نطاق القطاع غير المهيكل، الذي يستحوذ على نسبة معتبرة من المبادلات التجارية، خاصة في المجال الغذائي، مما يحد من فعالية آليات التتبع والمساءلة. ويستدعي هذا الوضع اعتماد سياسات عمومية تروم إدماج هذا القطاع تدريجياً ضمن الاقتصاد المنظم، بما يعزز الشفافية ويضمن تكافؤ الفرص بين مختلف الفاعلين.
كما يطرح تعدد الجهات المتدخلة في مجال مراقبة الأسواق مسألة وضوح الاختصاصات وتناسق التدخلات. وهو ما يدفع إلى التفكير في تعزيز آليات التنسيق المؤسساتي، أو إرساء إطار موحد يعنى حصرياً بحماية المستهلك وضبط الأسواق، بما يكفل سرعة التدخل وفعالية التنفيذ.
وفي موازاة ذلك، يشكل تتبع مسار الأسعار بين أسواق الجملة ونقاط البيع بالتقسيط أولوية قصوى، لضمان عدم انتقال أي اختلال في حلقات التوزيع إلى المستهلك النهائي. كما أن تفعيل آليات التبليغ، ومن ضمنها الخطوط الوطنية المخصصة للشكايات، يظل رافعة أساسية لتعزيز الرقابة التشاركية.
إن حماية القدرة الشرائية خلال شهر رمضان، وفي سائر فترات السنة، تقتضي رؤية متكاملة ترتكز على الحكامة الجيدة، والرقابة المستمرة، والتطبيق الصارم للقوانين الجاري بها العمل. فاستقرار السوق وضمان حقوق المستهلك يشكلان دعامة أساسية للأمن الاقتصادي والاجتماعي، ومسؤولية جماعية تستوجب انخراطاً دائماً ومنسقاً من كافة الأطراف المعنية.

