بقلم: عبد السلام اسريفي
لم يكن تصريح الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون حول “الدعم المصري للجزائر في حرب 1963” زلّة لسان ولا استدعاءً بريئًا للتاريخ، بل خطوة محسوبة في سياق سياسي مأزوم، يحاول من خلالها النظام الجزائري توسيع دائرة الصراع مع المغرب، ولو رمزيًا، عبر جرّ أطراف عربية وازنة، وفي مقدمتها مصر، إلى معركة انتهت منذ أكثر من ستة عقود.
حرب الرمال لم تكن حربًا عربية–عربية بالمعنى الواسع، بل نزاعًا حدوديًا مغربيًا–جزائريًا خالصًا، نتج عن خلافات ما بعد الاستعمار، وانتهى سياسيًا وعسكريًا لصالح المغرب، بشهادة الوقائع لا الخطابات. والتدخل المصري آنذاك لم يكن لحظة مجد، بل أحد أكثر الملفات إحراجًا في تاريخ العلاقات المغربية–المصرية، بدليل اعتقال ضباط مصريين، بينهم حسني مبارك، قبل أن يُطوى الملف بحكمة سياسية مغربية، عندما أعاد الملك الحسن الثاني الضباط إلى جمال عبد الناصر، واضعًا مصلحة الأمة فوق نزوات الزعامة.
إعادة تبون فتح هذا الملف اليوم لا تخدم لا الجزائر ولا مصر، بل تكشف حالة ارتباك سياسي غير مسبوقة تعيشها الجزائر رسميًا. عزلة خانقة في شمال إفريقيا، قطيعة مع الجوار في الساحل، توتر مع قوى عربية وازنة، وانسداد داخلي اقتصادي واجتماعي ينذر بالانفجار. أمام هذا المشهد، لم يجد النظام الجزائري سوى الهروب إلى الأمام، عبر اختلاق أعداء، وتضخيم صراعات، واستحضار تاريخ مُنتقى بعناية لتغذية خطاب شعبوي موجه للاستهلاك الداخلي.
تبون لا يخاطب القاهرة بقدر ما يخاطب المواطن الجزائري القَلِق، محاولًا إقناعه بأن الجزائر “مستهدفة” من الجميع: المغرب، الإمارات، قوى خارجية، وحتى أشباح الماضي. إنها سياسة قديمة: حين تفشل الدولة في تقديم الأمل، تبيع الخوف؛ وحين تعجز عن الإصلاح، تبحث عن خصوم.
لكن مصر اليوم ليست مصر 1963. القاهرة تعرف جيدًا أن استقرار المنطقة يمر عبر التهدئة لا النفخ في رماد صراعات منتهية. وزجّ اسمها في خطاب تصعيدي لا ينسجم مع سياستها المتوازنة، يضعها في موقف لا مصلحة لها فيه، ويحوّلها – دون إذنها – إلى أداة في سردية جزائرية مأزومة.
الخطير في خطاب تبون ليس فقط تحريف الوقائع التاريخية، بل الإصرار على تحويل الفشل الداخلي إلى معركة خارجية مفتوحة، دون أفق ولا استراتيجية. فالدول لا تُدار بالعداوات الوهمية، ولا تُنقَذ بالخطابات الانفعالية، ولا تُبنى باستدعاء حروب خاسرة.
في المحصلة، ما يقوم به تبون ليس دفاعًا عن السيادة ولا عن التاريخ، بل محاولة يائسة للنجاة السياسية عبر خلق الأزمات. غير أن التاريخ، مهما أُعيد تدويره، لا ينقذ الأنظمة الغارقة… بل يفضحها.

