بقلم: عزيز بنحريميدة – مدير جريدة صوت العدالة
عاد ملف مقتل الشاب بدر إلى الواجهة من جديد، ليس من باب الإثارة الإعلامية أو إعادة تدوير الوقائع، بل بعد تداول معطيات وشريط فيديو قيل إنه يوثق للحظة الاعتداء ويكشف تفاصيل مغايرة لما استقر في أذهان الرأي العام منذ الأيام الأولى للجريمة.
المعطيات الجديدة أعادت طرح أسئلة جوهرية حول مسار الحقيقة داخل هذا الملف: هل تمت قراءة الوقائع كما يجب؟ وهل كانت كل الأدلة مطروحة أمام القضاء والرأي العام منذ البداية؟ أم أن ضغط اللحظة الإعلامية وتوجيه الاتهامات المبكرة ساهم في رسم صورة قد لا تكون دقيقة بالكامل؟
منذ الساعات الأولى لوقوع الجريمة، تحولت القضية إلى محاكمة موازية على منصات التواصل الاجتماعي، حيث وُجهت أصابع الاتهام مباشرة إلى الشاب أشرف، وتم تقديمه في الخطاب العام باعتباره الفاعل الرئيسي، قبل أن تأخذ العدالة مجراها الطبيعي.
هذا المناخ المشحون، الذي اختلط فيه الغضب الشعبي مع التأويلات والتسريبات، خلق ضغطاً غير مسبوق، ليس فقط على مسار الملف، بل على تصور الرأي العام لما حدث فعلاً.
اليوم، ومع تداول الشريط المذكور، ظهرت قراءات جديدة للوقائع. فحسب التحليل المتداول، فإن المشاهد لا تُظهر بتاتا قيام أشرف بالاعتداء المباشر على الضحية بدر، ولا حتى مشاركته الفعلية في الفعل الذي أدى إلى الوفاة، وهو ما يطرح تساؤلات قانونية دقيقة حول طبيعة الأدوار والمسؤوليات الجنائية لكل من ظهر في مسرح الواقعة.
- هل تم تغييب بعض الحقائق أو تأويلها بشكل غير دقيق؟
- هل لعبت الضغوط الإعلامية دوراً في توجيه مسار الملف؟
- وهل كان الرأي العام طرفاً غير مباشر في صناعة قناعة مسبقة حول المتهم؟
القضية لا تتعلق فقط بشخص أشرف، ولا باسم “ولد الفشوش” الذي التصق بالملف إعلامياً، بل تمس جوهر العدالة الجنائية ذاتها، حيث يفترض أن تبنى الأحكام على الأدلة المادية والتحليل القضائي الرصين، لا على الانطباعات أو الخلفيات الاجتماعية أو المهنية للأطراف.
إن أخطر ما قد يهدد العدالة هو أن يُدان شخص إعلامياً قبل أن تقول المحكمة كلمتها، وأن تتحول وسائل التواصل إلى فضاء لإصدار الأحكام بدل مساءلة الوقائع. فالمتهم بريء حتى تثبت إدانته بحكم قضائي نهائي، والقرينة القانونية لا تسقط تحت ضغط التعليقات أو العناوين المثيرة.
وفي المقابل، فإن أي معطى جديد – خاصة إذا كان موثقاً بشريط فيديو أو خبرة تقنية – يفرض إعادة القراءة والتحقيق، لأن العدالة لا تخشى المراجعة، بل تقوم عليها.
وبين حكم قضائي صدر، ومعطيات جديدة تطفو على السطح، تبرز مرحلة الاستئناف كضمانة دستورية وقضائية لإعادة تمحيص الوقائع والأدلة بروح أكثر تجرداً وهدوءاً، بعيداً عن ضغط اللحظة الأولى وتداعياتها الإعلامية. فهي مرحلة لا تعيد فقط النظر في الحكم، بل تعيد ترتيب عناصر الحقيقة وتفكيكها وفق منطق قانوني صارم، بما يكفل حماية قرينة البراءة وصون حقوق جميع الأطراف، سواء الضحية أو المتهمين، لأن العدالة في جوهرها ليست انتقاماً بل بحثاً دقيقاً عن المسؤولية الحقيقية.
يبقى الأمل معقوداً على أن تظهر الحقيقة كاملة، بعيداً عن أي ضغط أو توجيه خلال مرحلة الاستئناف، لأن العدالة حين تكتمل صورتها لا تنتصر لشخص، بل تنتصر للحق وحده

