بقلم:د.يوسف الجياني / عضو المكتب السياسي و المنسق العام لقطاع الشبيبة بحزب النهضة والفضيلة.
أثار بكاء عزيز أخنوش خلال المؤتمر الاستثنائي لحزب التجمع الوطني للأحرار موجة واسعة من التأويلات، تجاوزت البعد الإنساني العاطفي، لتلامس جوهر ما يجري داخل الحزب، بل داخل المشهد السياسي المغربي ككل. فبين من رأى في الدموع لحظة صدق إنساني نادرة في السياسة، ومن اعتبرها مشهدًا محسوبًا بعناية، بقي السؤال الحقيقي معلقًا: هل غادر أخنوش قيادة الحزب فعلًا، أم أنه غيّر فقط موقعه داخل منظومة القرار؟
السياسة لا تُقرأ بالدموع، بل بالسياق. وسياق دموع أخنوش يأتي بعد تجربة حكومية ثقيلة الكلفة سياسيًا واجتماعيًا، تآكلت خلالها شعبية الحزب، وتراجعت صورة “حزب الكفاءات والتدبير” أمام موجات الغلاء، واحتقان اجتماعي غير مسبوق، وشعور عام بأن الحزب الذي تصدر انتخابات 2021 لم يعد يملك نفس الزخم ولا نفس الشرعية الشعبية.
من هذا المنطلق، يصعب اعتبار خروج أخنوش من قيادة الحزب قرارًا طوعيًا خالصًا. فالمؤشرات توحي بوجود ضغط داخلي صامت: قواعد حزبية قلقة، نخب انتخابية تخشى دفع ثمن أخطاء التدبير، وقيادات محلية تبحث عن مسافة أمان قبل الاستحقاقات المقبلة. في مثل هذه اللحظات، لا يكون الانسحاب ضعفًا، بل تكتيكًا لإعادة ترتيب الصفوف.
غير أن الأخطر في المشهد ليس رحيل أخنوش، بل طريقة الرحيل. فالرئيس الجديد للحزب لم يأتِ من خارج دائرة النفوذ، بل خرج من رحم اقتراح أخنوش والدائرة الضيقة المحيطة به. وهو ما يطرح سؤالًا مشروعًا: هل نحن أمام انتقال ديمقراطي حقيقي داخل الحزب، أم مجرد إعادة توزيع للأدوار، يظل فيها أخنوش “الزعيم غير المعلن” و”الفاعل من الخلف”؟
هذا السيناريو يعكس معضلة أعمق في الأحزاب المغربية، حيث يصعب الفصل بين الشخص والحزب، وبين القيادة والمؤسسات. فحين يتحول الحزب إلى امتداد لإرادة فرد، يصبح التغيير شكليًا، مهما تغيرت الأسماء والواجهات.
دموع أخنوش، إذن، لا يمكن قراءتها بمعزل عن هذا الواقع. قد تكون دموع وداع، لكنها أيضًا قد تكون دموع رجل يدرك أن المرحلة المقبلة تتطلب الانسحاب خطوة إلى الوراء، دون التخلي عن مفاتيح اللعبة. فالسياسي المتمرّس لا يغادر الساحة دفعة واحدة، بل يغيّر تموقعه، في انتظار لحظة العودة أو التأثير.
حزب التجمع الوطني للأحرار اليوم أمام اختبار حقيقي: إما أن ينجح في ضخ دماء جديدة فعلًا، برؤية مختلفة وقيادة مستقلة، أو أن يكتفي بتغيير الواجهة، مع بقاء القرار الحقيقي في نفس الدائرة. وفي الحالة الثانية، لن تكون دموع المؤتمر سوى فصل آخر في مسرحية سياسية يعرفها المغاربة جيدًا.
فالناخب لا يهمه من بكى، بل من يتحمل المسؤولية. ولا يهمه من غادر المنصب، بل من ما زال يدير الخيوط.

