الرئيسية آراء وأقلام حين تُختزل أزمة العدالة في عبارة: “هاتوا المحضر”

حين تُختزل أزمة العدالة في عبارة: “هاتوا المحضر”

lhuisier 1
كتبه كتب في 5 فبراير، 2026 - 11:43 مساءً

عبد الكبير الحراب

لم يكن تصريح وزير العدل داخل مجلس رسمي، وهو يقول: “ما كاين حتى اتفاق… واللي عندهم شي محضر يجيبوه” مجرد جملة عابرة أو زلّة لسان. بل كان، في سياق احتقان غير مسبوق تعرفه المحاكم المغربية، موقفًا سياسيًا مكتمل الأركان، أعاد توجيه النقاش من جوهر الأزمة إلى هامشها، ومن سؤال الاستقلال والضمانات الدستورية إلى جدل شكلي حول “الورقة”.
بهذه العبارة، لم يتوقّف الوزير عند نفي الاتفاق فقط، بل نقل المعركة إلى مستوى آخر: مستوى الإثبات التقني، وكأن الخلاف القائم اليوم بين وزارة العدل والمحامين ليس خلافًا حول نص تشريعي يمسّ قلب العدالة، بل مجرد سوء تفاهم إداري يحتاج إلى “محضر”.
فضح محاولات الوزير (من منازعة الواقعة… إلى منازعة الحُجّة)
في المنطق القانوني، الفرق واضح وحاسم.
من يقول: “لا يوجد اتفاق” فهو ينفي الواقعة من أصلها.
أما من يقول: “هاتوا المحضر”، فهو لا ينفي بالضرورة حصول اللقاءات أو النقاشات، بل ينازع في قيمة ما جرى، ويختار ساحة إثبات يعلم سلفًا أنها غير متكافئة.
هي مناورة معروفة: تحويل أزمة ثقة سياسية إلى نزاع تقني، والانتقال من مساءلة الالتزامات إلى التشكيك في وسائل إثباتها. تمامًا كما يفعل مدين يعترف ضمنًا بالعلاقة، لكنه يختبئ خلف غياب وثيقة، رغم أن كل القرائن والسلوكيات تؤكد وجودها.
كبوة وزير : عندما تصبح “المحاضر” حجة على الدولة لا لها
المفارقة التي تُسقط هذا الخطاب من أساسه، أن مأسسة الحوار نفسها ـ التي تباهي بها الحكومة ـ قامت على فكرة التوثيق.
ففي اتفاق 9 نونبر 2024، تم الإعلان عن إحداث لجان موضوعاتية لتدارس مشاريع القوانين، مع التنصيص صراحة على توثيق أشغالها بمحاضر يُرجع إليها عند الاقتضاء.
هنا ينقلب السؤال تلقائيًا: إذا كان المحضر هو معيار الاعتراف، فمن المسؤول عن وجوده؟
ومن المسؤول عن غيابه أو عدم نشره؟
ولماذا تُدار مفاوضات بحجم تنظيم مهنة الدفاع بمنطق “الذاكرة الانتقائية” بدل الشفافية المؤسسية؟
إن التذرّع بغياب المحاضر، في هذا السياق، لا يُدين المحامين بقدر ما يُدين حكامة الحوار نفسها.
لماذا لا يريد الوزير وهبي الذي أرتدى قبعة المحامي سابقا أن يستوعب أن جوهر الأزمة ليس المال… بل استقلال الدفاع
إن محاولة حصر النزاع في قضايا “المال” أو “الشفافية المالية” ليست سوى اختزال متعمّد لقضية أعمق.
فمشروع القانون رقم 66.23، الذي صادقت عليه الحكومة في 8 يناير 2026، فجّر الاحتقان لأنه ـ بحسب الهيئات المهنية ـ يتضمن مواد تمسّ:
استقلالية مهنة المحاماة
حرية التنظيم والتعبير
الحصانة المرتبطة بوظيفة الدفاع
ويعيد منطق الوصاية الإدارية على مهنة يفترض دستورياً أنها مستقلة
الاحتجاجات التي شلّت المحاكم في 6 يناير 2026 لم تخرج دفاعًا عن “الجيب”، بل تحذيرًا من ضرب أحد أعمدة المحاكمة العادلة. وحتى داخل البرلمان، طُرحت أسئلة صريحة حول “التراجع عن مخرجات الحوار” ونسف التزامات سابقة.
اختزال هذا كله في سؤال: “فين هو المحضر؟” هو تبسيط مخلّ، بل تضليل للنقاش العمومي.
قلب عبء التبرير… وهروب إلى الأمام
بدل أن تشرح الوزارة للرأي العام لماذا هذه المواد ضرورية، ولماذا هي متناسبة مع الدستور، ولماذا لا تمسّ جوهر الاستقلال، اختارت قلب المعادلة:
“أثبتوا أنكم تضررتم”،
“أثبتوا أن الاستقلال مُسّ”.
وكأن الحقوق الدستورية تُعامل كمعاملة تجارية تحتاج إلى وصل، لا كضمانات يجب على السلطة العمومية إثبات احترامها لا العكس.
ثم يأتي خلط متعمّد بين إصلاح مالي مشروع (رقمنة الأداء، الشفافية) وبين نص تشريعي يؤسس لوصاية جديدة. من أراد إصلاح المسالك المالية فله أدواته القانونية.
أما من يخلط ذلك بتقليص دور الدفاع، ثم يقدّم الأمر للرأي العام كأنه حرب على “جيوب المحامين”، فهو يشيطن المهنة ويُضعف ثقة المواطن في خط دفاعه الأخير.
إذا كان الوزير صادقًا في منطقه، فالجواب المؤسساتي الواضح هو:
نشر محاضر اللجان التي قيل إنها وُثّقت، أو توضيح سبب غيابها.
نشر النسخ المتعاقبة لمشروع القانون، مع بيان التعديلات ومصادرها.
إعادة النقاش إلى جوهره:
هل يحترم هذا المشروع استقلال الدفاع وحصانته؟ نعم أم لا.
هدا هو الجواب الحقيقي على “هاتوا المحضر”
أما الاستمرار في تحويل النقاش إلى جدل شكلي، فهو ما أوصلنا إلى توقّف قلب المحاكم، وشلل العدالة، وضرب ثقة المواطن في المؤسسات.
وختاما سيدي وزير العدل الحالي والمحامي في الاصل فالمحاماة ليست خصمًا للدولة
المحاماة ليست فئة ضغط، ولا عبئًا على الدولة، بل صمام أمان للعدالة.
والدولة التي تُضعف دفاع مواطنيها، تُضعف نفسها.
عبارة “اللي عندهم شي محضر يجيبوه” قد تبدو بسيطة، لكنها في واقع الأمر عنوان أزمة: أزمة فهم دور الدفاع، وأزمة تدبير الحوار، وأزمة ثقة مؤسساتية انتهت بتعطيل المحاكم.
لسنا أمام نزاع حول ورقة.
نحن أمام نزاع حول احترام التوافقات، وحول استقلال العدالة، وحول معنى دولة الحق والقانون.
يتبع…. (هاتوا المحضر)

مشاركة