ذ. رضوان الطاهري
ليس الفقر وحده ما يُتعب الصحفي، بل تلك المفارقة القاسية بين ما يكتبه للناس وما يعيشه في الخفاء. أن تكون شاهدا على آلام الآخرين، وناقلا لأصواتهم، بينما صوتك أنت مبحوح، وحاجتك مؤجلة، وكرامتك على المحك.
في كل صباح، يحمل الصحفي قلمه كما يحمل الجندي سلاحه، لا دفاعًا عن نفسه، بل عن الحقيقة. يخرج إلى الشارع، إلى الميدان، إلى الحكايات المنسية في الأزقة والمكاتب الحكومية، يسأل، يوثق، يكتب. ثم يعود في المساء ليجد أن الحقيقة لا تسدد الإيجار، ولا تطعم الأطفال، ولا تداوي قلق الغد.
الصحفي الفقير ليس حالة فردية، بل ظاهرة مسكوت عنها. يُطلب منه أن يكون مهنيا، محايدا، شجاعا، نزيها، بينما يُترك وحيدا في مواجهة واقع اقتصادي قاس، وأجور هزيلة، وتأخير مستمر، وأحيانا إهانة مقنعة باسم “الفرصة” أو “الشغف بالمهنة”. وكأن الشغف وحده يكفي ليعيش الإنسان.
ثقل المسؤولية لا يقل قسوة عن الفقر. فالكلمة أمانة، والخطأ محسوب، والانحياز مرفوض، والصمت خيانة.
الصحفي يعرف أن سطرا واحدا قد يفتح باب أمل، أو يشعل فتنة، أو يدمّر سمعة إنسان. يحمل هذا الوعي الثقيل وهو يكتب، بينما ذهنه منشغل بسؤال بسيط: كيف سأكمل هذا الشهر؟
كم هو مؤلم أن تكتب عن الفساد وأنت تخشى أن يفسد الفقر روحك. أن تدافع عن حقوق العمال وأنت محروم من أبسط حقوقك. أن تطالب بالعدالة الاجتماعية وأنت عالق في هامشها. هنا تحديدا، تبدأ المعركة الحقيقية: معركة البقاء شريفا.
ومع ذلك، يواصل الصحفي الكتابة. لا لأن الظروف عادلة، بل لأن الصمت أشد قسوة. يكتب لأن الكلمة، رغم كل شيء، ما زالت ملاذه الأخير. يكتب ليحمي ما تبقى من نفسه، وليقول: أنا هنا، ما زلت أؤمن أن للكلمة وزنا، وأن للحقيقة ثمنا، حتى لو دفعته من عمرك وراحتك.
هذه ليست شكوى شخصية، بل صرخة مهنية. صرخة تطالب بإعادة الاعتبار للصحافة كرسالة، وللصحفي كإنسان قبل أن يكون أداة نقل. فحرية الصحافة لا تُقاس فقط بما يُنشر، بل أيضا بقدرة من يكتب على العيش بكرامة.
في النهاية، قد يُنهك الفقر الجسد، وقد تُتعب المسؤولية الروح، لكن القلم الصادق لا ينكسر بسهولة. يظل يكتب، لا لأن الطريق سهل، بل لأن التراجع أصعب، ولأن الحقيقة، مهما أُرهقت، تستحق من يدافع عنها.

