د/ الحسين بكار السباعي/ محام بهيئة أكادير وكلميم والعيون/ مقبول لدى محكمة النقض.
إقترنت المحاماة في مراحل مضيئة من تاريخ المغرب بالفعل السياسي النبيل، حين لم يكن الإنتماء الحزبي أو النضال الحقوقي زينة خطابية، بل إلتزام أخلاقي مكلف دفع ثمنه نقباء وزميلات وزملاء من حرياتهم، بل ومن حياتهم أحيانا حيث مازال مصير بعظهم مجهولا الى اليوم ، دفاعا عن الديمقراطية والحقوق والحريات. زمن كانت فيه قوة المبدأ مقرونة بالهيبة والحضور، وكانت فيه المحاماة رسالة قبل أن تكون مهنة، ومسؤولية تاريخية قبل أن تكون مورد رزق. أولئك النساء والرجال، الذين رحلوا وبقي أثرهم، ما زالوا نبراس تهتدي به الأجيال اجيال من النقباء والمحاميات والمحامون، الذين لازالت مواقفهم الى اليوم دليل على أن المحاماة لا تزدهر إلا حين تتنفس الحرية.
نعم اليوم، وعلى نحو يبعث على القلق تكاثرت المؤشرات على وجود نزوع لتقزيم هذه المهنة النبيلة، وتحويلها من رسالة حقوقية سامية إلى وظيفة تقنية خاضعة لمنطق الضبط الإداري والمراقبة البيروقراطية مما سمي في المسودة المشؤومة “بالسلطة الحكومية”، و في مسار لا يمكن فصله عن سياق أوسع يضعف فيه الدفاع، وتدجن فيه الصحافة، ويفرغ فيه التعليم من جوهره النقدي التربوي. فالمجتمع الذي تكسر فيه أدوات الوعي والمساءلة، يسير نحو فقدان المعنى، وحين تستهدف المحاماة في إستقلالها، فإن المستهدف الحقيقي هو حق المواطن في الإنصاف.
من هنا يندرج القلق العميق الذي أثارته مسودة قانون مهنة المحاماة التي صادق عليها المجلس الحكومي، ليس فقط داخل الجسم المهني، بل في أوساط واسعة من الفاعلين الحقوقيين والمتابعين للشأن العام. فالمحاماة، كما كرست ذلك مبادئ الأمم المتحدة الأساسية بشأن دور المحامين، ليست مهنة تقنية صرفة، بل ركيزة جوهرية لإقامة العدل، وضمانة لا غنى عنها لحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية. وكل حديث عن محاكمة عادلة أو مساواة أمام القانون يظل خطابا أجوف، ما لم يترجم إلى حق فعلي في دفاع مستقل، يمارسه محام مستقل ومحمي من كل أشكال الضغط أو التدخل.
لقد أكدت المنظومة الدولية لحقوق الإنسان، من ميثاق الأمم المتحدة إلى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهدين الدوليين، بأن الولوج إلى العدالة لا يتحقق إلا بتمكين كل شخص من الإستعانة بمحام يختاره بحرية منذ اللحظة الأولى لتقييد حريته، وخلال جميع مراحل المحاكمة وفي مناخ يضمن الإستقلال والسرية والنجاعة. وهو ما يجعل من إستقلال المحاماة شرط بنيوي لقيام دولة القانون، لا مطلب فئوي أو امتياز مهني.
غير أن الطريقة التي أُعدت بها هذه المسودة، وما راج حولها من معطيات مؤكدة على الشبكة العنكبوتية، تثير أكثر من علامة إستفهام. فقد جرى التراجع بشكل غير مبرر، عن المنهجية التشاركية التي تم التوافق حولها مع وزارة العدل، خاصة بعد مسار الوساطة البرلمانية، وتم تغييب جمعية هيئات المحامين بالمغرب عن نقاش جوهري يمس صميم المهنة. بل الأخطر من ذلك هو ما أُثير بشأن إدخال تعديلات غير توافقية، والتلاعب بمقترحات كانت موضوع اتفاق مبدئي، في مسار تشريعي اتسم بالأحادية، وأقصى الهيئات التمثيلية للمحامين ، وفتح الباب أمام نص يعاد فيه تعريف المحاماة من زاوية الضبط والوصاية، لا من منظور الإستقلال والدفاع.
إن ما تضمنته هذه المسودة لا يقف عند حدود تفاصيل تقنية قابلة للنقاش، بل يطال جوهر المهنة من خلال المساس بإستقلال المحامي، وإضعاف ضمانات السرية، وإقحام منطق العقاب والمراقبة في ممارسة يفترض فيها أن تكون حرة وجريئة ومنحازة للحق لا لغيره. الأمر الذي وصف بالتراجع الحقوقي الخطير ، لأن أي مساس بالمحامي إنما هو مساس مباشر بحق المتقاضي في الدفاع، وتقويض فعلي لمبدأ المحاكمة العادلة كما يكفله الدستور وتكرسه المواثيق الدولية.
كما أن تأسيس معهد للمحاماة، وإن كان في ظاهره خطوة إصلاحية محمودة تستجيب لحاجة التكوين والتأطير، إلا أن التخوف الحقيقي يكمن في المنطق الذي قد يحكم تنزيلها، حيث يخشى أن تتحول إلى آلية لإنتاج “موظفين في المحاماة”، بدل محامين مستقلين وأحرار، يحملون رسالة الدفاع، ويتشبعون بحس حقوقي عميق، وثقافة سياسية وقانونية واسعة، ووعي بدورهم التاريخي في صون العدالة ومراقبة السلطة.
من هنا، لا يمكن إختزال إحتجاج المحامين في صورة فوضى أو بحث عن إمتيازات، كما يرادأن يسوقه البعض. فالإحتجاج في جوهره، فعل مهني مسؤول ورفض صريح لمسار تشريعي معطوب، ورسالة واضحة مفادها أن قانون المحاماة ليس نص إداري، بل جزء من ميزان العدالة ذاته. ومن يسعى إلى محاماة ضعيفة وخاضعة، فإنما يسعى إلى عدالة مختلة ومتقاض بلا صوت يحميه.
إن الانخراط النضالي الذي دشنته جمعية هيئات المحامين بالمغرب، وما رافقه من توقف شامل عن العمل، هو وسيلة للدفاع عن المحاماة كرسالة إنسانية وحقوقية ذات أبعاد كونية، لا كوظيفة تدار بمنطق التعليمات. وهو في الآن ذاته دعوة صريحة إلى إعادة الإعتبار للحوار الجاد والمسؤول، وإلى تشريع يوسع إختصاصات المحامي، ويحصن دوره ويجعل من إستقلال الدفاع ضمانة دستورية للعدالة.
إن اللحظة الراهنة تفرض وضوح لا لبس فيه، فلا لتغييب المحامين عن مسار التشريع، و لا لتمرير القوانين في صمت، ولا لإقصاء الهيئات المهنية وقواعدها، ولا للتلاعب بمفهوم “التحديث” لتبرير التراجع عن المكتسبات الحقوقية.
ختاما، نعم لقانون يليق بمكانة المحاماة، ويستجيب لتحديات العصر دون المساس بجوهر المهنة ونبل الرسالة، ونعم لدولة قانون وحقوق، لا تخشى محاميا حرا، لأنها واثقة في عدالة قوانينها ومتانة مؤسساتها. لهذا يحتج المحامون اليوم، وبهذا الوعي سيواصلون النضال، لا دفاعا عن ذواتهم بل دفاعا عن العدالة، وعن حق المواطن في الإنصاف، وعن دولة تدرك أن قوة القانون لا تقاس بصرامة النصوص، بل بإستقلال من يحمونها.

