الرئيسية غير مصنف هل أصبح الاعتداء على رجال السلطة أمرا عاديا في المغرب؟

هل أصبح الاعتداء على رجال السلطة أمرا عاديا في المغرب؟

c73839ec ab3f 4cc4 ac8e 188ba9673d19
كتبه كتب في 3 أبريل، 2025 - 5:55 مساءً

في الآونة الأخيرة، باتت مشاهد الاعتداء على رجال السلطة في المغرب تتكرر بشكل لافت، مما يثير تساؤلات عميقة حول مدى احترام سلطة الدولة وهيبة القانون. لم تعد هذه الحوادث مقتصرة على حالات فردية معزولة، بل أصبحت ظاهرة متزايدة تتجلى في اعتداءات لفظية وجسدية ضد القياد وأعوان السلطة ورجال الأمن، خاصة أثناء تنفيذهم لمهامهم الإدارية والأمنية. هذه السلوكيات التي توثقها أحيانا كاميرات الهواتف وتنشر على نطاق واسع، لم تعد مجرد أحداث عابرة، بل باتت مؤشرا على أزمة حقيقية في العلاقة بين المواطن وممثلي الدولة.

أحدث مثال على ذلك هو ما شهدته مدينة تمارة مؤخرا، حيث أقدمت شابة على الاعتداء الجسدي واللفظي على قائد الملحقة الإدارية السابعة أمام مقر عمله. المثير في الحادثة ليس فقط جرأة المعتدية على مهاجمة رجل سلطة علنا، ولكن أيضا الطريقة التي أظهر بها القائد انضباطا كاملا، مكتفيابرفع يديه دون رد فعل، في مشهد أثار تعاطفا واسعا معه، لكنه في الوقت نفسه طرح سؤالا جوهريا: كيف وصل الأمر إلى حد أصبح فيه رجال السلطة عرضة للعنف دون تردد أو خوف من العواقب؟

من الناحية القانونية، يجرم القانون الجنائي المغربي أي اعتداء على موظف عمومي أثناء مزاولته لمهامه، حيث تنص المادة 263 على أن إهانة موظف عمومي تعاقب بالحبس من شهر إلى سنة، مع غرامة تصل إلى 5000 درهمبينما تصل العقوبة إلى خمس سنوات إذا كان الاعتداء جسديا. رغم وضوح هذه النصوص، إلا أن الواقع القضائي يكشف عن تفاوت في تطبيق العقوبات، حيث يحصل بعض المعتدين على أحكام مخففة أو يستفيدون من ظروف التخفيف، خاصة إذا لم يكن الاعتداء خطيرا أو لم يخلف إصابات بليغة. في بعض الحالات، يتم الإفراج عن المعتدين بكفالات بسيطة، مما يثير شعورًا عامًا بأن العقوبات ليست رادعة بما يكفي، وهو ما يشجع البعض على تكرار هذه الأفعال دون خشية من القانون.

هذا الواقع يطرح إشكالية كبيرة أمام العمل القضائي، حيث يجد القضاة أنفسهم أمام معادلة صعبة: فمن جهة، هناك نصوص قانونية تفرض عقوبات واضحة، لكن من جهة أخرى، هناك اعتبارات مثل السوابق القضائية، والوضعية الاجتماعية للمعتدي، وملابسات الحادث، تؤثر على تقدير القاضي للعقوبة المناسبة. في بعض الحالات، ينظر إلى الاعتداءات على أنها مجرد ردود فعل غاضبة وليست نية مبيتة للمساس برجال السلطة، وهو ما يؤدي إلى أحكام غير مشددة. لكن هذا التوجه قد يكون له تأثير عكسي، إذ يساهم في ترسيخ فكرة أن الاعتداء على رجال السلطة يمكن أن يمر دون عواقب جدية.

مع تزايد هذه الاعتداءات، يصبح من الضروري مراجعة الإجراءات المتبعة لحماية رجال السلطة أثناء أداء مهامهم. أولى الخطوات المطلوبة هي تشديد العقوبات وعدم التساهل مع المعتدين، بحيث تصبح الأحكام أكثر صرامة، خاصة في حالات الاعتداء الجسدي أو العنف الممنهج. كما يمكن إلزام رجال السلطة باستخدام كاميرات مراقبة أثناء التدخلات، مما يساهم في توثيق الأحداث ويمنع أي محاولات للتلاعب بالوقائع. تعديل القانون الجنائي ليشمل عقوبات أشد في مثل هذه الجرائم قد يكون أيضًا ضرورة ملحة، مع التأكيد على عدم التوسع في ظروف التخفيف في القضايا التي تمس بسلطة الدولة.

إلى جانب التشديد القانوني، لا يمكن إغفال دور التوعية المجتمعية في الحد من هذه الظاهرة. يجب تعزيز ثقافة احترام مؤسسات الدولة وإقناع المواطنين بأن اللجوء إلى العنف ضد رجال السلطة ليس حلًا، بل يمكن أن يعقد الأوضاع أكثر. فمن حق أي مواطن أن يعترض على قرارات إدارية أو يشعر بالظلم، لكن الحل في هذه الحالات ليس الاعتداء، بل اتباع القنوات القانونية للطعن أو تقديم الشكايات. عندما يفقد المجتمع ثقافة احترام القانون، تصبح الفوضى هي البديل، وهو أمر يضر بالجميع دون استثناء.

الاستمرار في التساهل مع الاعتداءات على رجال السلطة قد يؤدي إلى عواقب وخيمة، ليس فقط على مستوى الأمن العام، ولكن أيضًا على مستوى قدرة الدولة على فرض القانون بفعالية. إذا شعر رجال السلطة أنهم غير محميين أثناء أداء عملهم، فقد يصبحون أقل صرامة في تنفيذ مهامهم، مما قد يفتح الباب لمزيد من التجاوزات والانفلاتات. المطلوب اليوم ليس فقط وضع قوانين أكثر صرامة، بل التأكد من تطبيقها بفعالية، حتى لا يتحول الاعتداء على رجال السلطة إلى سلوك عادي في المجتمع، بل يظل جريمة يعاقب عليها القانون بحزم، حفاظا على هيبة الدولة واستقرارها.

بقلم الأستاذ محمد طرشي، محامي بهيأة الدار البيضاء

مشاركة