الرئيسية غير مصنف ملف بدر : الحقيقة في الوثيقة… حين يتكلم العلم ويسقط الظن

ملف بدر : الحقيقة في الوثيقة… حين يتكلم العلم ويسقط الظن

IMG 5552 scaled
كتبه كتب في 27 أبريل، 2026 - 7:57 مساءً

بقلم عزيز بنحريميدة

في كل ملف جنائي معقد، تبقى الحقيقة كامنة بين سطور الوثائق، تنتظر من ينفض عنها غبار التأويل وسوء الفهم. وفي ملف المرحوم بدر، يبدو أن تقرير الطبيب الشرعي جاء هذه المرة ليضع معالم دقيقة قد تعيد رسم مسار القضية من جديد، وتفتح الباب أمام قراءة علمية هادئة بعيدا عن الانفعال والسبق الإعلامي.

فحسب المعطيات الواردة، فإن سبب الوفاة يرتبط بضربتين مركزيتين على مستوى الرأس؛ الأولى على مقدمة الرأس تسببت في جرح غائر بلغ طوله 13 سنتيمترا، والثانية على مستوى الخلف بعمق 6 سنتيمترات، ما أدى إلى نزيف حاد. وهي معطيات طبية دقيقة تفرض التوقف عندها مليا، خاصة حين يتم ربطها بشريط الأحداث الذي وثّق الواقعة.

الشريط، كما يتم تداوله، يظهر بوضوح كيف تلقى الضحية ضربتين قويتين – أقرب لما يصطلح عليه في عالم الملاكمة بـ”الضربة القاضية” – من طرف المتهم زويتة، ليسقط بعدها أرضا دون حراك. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل تشير نفس الوقائع إلى تدخل لاحق من طرف أمين رياض، الذي قام – وفق نفس الشريط – بضرب رأس الضحية مرتين على الأرض، وهو ما يتطابق بشكل لافت مع الجرح الثاني الذي حدده تقرير الطب الشرعي.

أما باقي جسد الضحية، فقد ظل – حسب نفس التقرير – خاليا من إصابات قاتلة، باستثناء كسر في أحد الأضلاع، وهو ما يستبعد علميا وطبيا أن يكون سببا مباشرا في الوفاة. وهنا تبرز أهمية التحليل العلمي، الذي لا يترك مجالا للتأويلات، بل يربط بين السبب والنتيجة وفق معايير دقيقة.

هذه المقاربة تعيد إلى الأذهان اجتهادات قضائية دولية، من بينها واقعة شهيرة أمام محكمة النقض المصرية، حيث تم نقض حكم بالإعدام صدر في حق سيدة اتُهمت بتسميم زوجها. ورغم إنكارها المتواصل، لم يُنصفها إلا تحليل دقيق لتقرير الطبيب الشرعي، قام به محامٍ شاب، أثبت من خلاله أن مفعول السم لا يمكن أن يظهر إلا بعد أربع ساعات، في حين أن الضحية دخل المنزل قبل ساعتين فقط من وفاته، ما يستحيل معه منطقيا أن تكون الزوجة هي الفاعلة. هذا التحليل العلمي البحت كان كفيلا بإعادة الأمور إلى نصابها، وإقرار براءة امرأة قضت ست سنوات خلف القضبان ظلما.

وبالعودة إلى ملف “ولد الفشوش”، فإن القراءة المتأنية لتقرير الطب الشرعي، ومقارنته بتفاصيل الشريط وتسلسل الأحداث، قد تقود إلى نفس الخلاصة: أن الضربات التي تلقاها الضحية على مستوى الرأس كانت السبب المباشر في الوفاة، وأنها وقعت قبل أي واقعة دهس محتملة.

الأكثر دلالة في هذا السياق، هو ما تشير إليه المعطيات من أن المتهم أشرف صديق لم يكن حاضرا في مسرح الجريمة لحظة وقوع هذه الأفعال الحاسمة، وهو ما تؤكده – حسب نفس الطرح – تسجيلات الفيديو وشهادات الشهود. وهي نقطة جوهرية تطرح من جديد سؤال المسؤولية الجنائية وحدودها، خاصة في ظل المبدأ القانوني الراسخ الذي يقضي بأن “المشاركة في الجريمة لا تقوم إلا بأفعال سابقة أو معاصرة لها”.

إننا اليوم أمام لحظة مفصلية في هذا الملف، لحظة تفرض على الجميع – قضاءً ودفاعًا وإعلامًا – التحلي بأقصى درجات الموضوعية والتجرد، والاحتكام إلى منطق العلم قبل ضجيج التأويل.

فالحقيقة لا تُبنى على الانطباعات، بل على الأدلة.
والعدالة لا تُستجدى، بل تُؤسس على اليقين.

وفي انتظار ما ستسفر عنه باقي أطوار المحاكمة، يبقى الأمل معقودا على أن تنتصر الحقيقة، وأن يُنصف كل ذي حق، وأن يظل ميزان العدالة ثابتا لا تميله العواطف ولا تضغط عليه الأصوات

مشاركة