صوت العدالة- ع.الطوسي
طل علينا الزجال المغربي علي الفناني بصوت شعري هادئ لكنه عميق الأثر، ليعيد التذكير بقيم إنسانية أصيلة، في مقدمتها التواضع، ومن خلال قصيدته المعنونة “سعدات من تواضع”، يرسم الشاعر لوحة زجلية تنبض بالحكمة، وتلامس وجدان الإنسان البسيط.
تعكس القصيدة تجربة حياتية ناضجة، حيث يربط الفناني بين علوّ النية ورفعة المقام، مؤكداً أن من يجعل الصدق أساسه لا يخيب ولا ينكسر. يقول في مطلعها إن التواضع تاج، والعقل ميزان، وهي صورة تختزل فلسفة كاملة في سلوك الإنسان، حيث لا قيمة لعلوّ المكانة إن لم يكن مقروناً بالأخلاق.
ويستحضر الشاعر صورة “السنبلة” الممتلئة التي تنحني، في مقابل الفارغة التي تتطاول، في استعارة بليغة تعكس الفرق بين من يملك الحكمة ومن يفتقر إليها. فالتواضع، في نظره، ليس ضعفاً بل دليل قوة وامتلاء داخلي، بينما الكِبر علامة خواء.
كما لا يغفل الفناني التذكير بأصل الإنسان، “من تراب مخلوق”، في دعوة صريحة لنبذ الغرور والنظر إلى الآخرين بعين الاحترام. ويؤكد أن الدنيا زائلة، وأن ما يبقى هو العمل الصالح والرحمة بين الناس.
لغة القصيدة بسيطة وقريبة من المتلقي، لكنها محمّلة بدلالات عميقة، تجعلها قابلة للتداول بين مختلف الفئات، وهو ما يميز الزجل المغربي كفن شعبي راقٍ يعكس نبض الشارع وحكمة المجتمع.
في ختام قصيدته، يوجه الفناني رسالة واضحة: السعادة الحقيقية تكمن في تصغير النفس أمام الخلق، لأن ذلك يرفع من شأن الإنسان عند الخالق. إنها دعوة للتأمل وإعادة ترتيب القيم في عالم أصبح في أمسّ الحاجة إلى التواضع.
نص القصيدة:
سعدات من تواضع
الـلـي يـعـلـي بـالـنـيـة سـاسـو
عـمـرو يـخـيـب ولا يـهـبـط راسـو
الـتـواضـع تـاج، والـعـقـل مـيـزان
والـلـي تـكـبـر، الـخـسارة قـيـاسـو
تـواضـع لـلـنـاس، تـعـلى فـالـشـان
مـا يـغـرك جـاه، ولا كـثـرة الألـوان
شـوف الـسـنـبـلـة مـن تـكـون عـامـرة
تـحـنـي لـلأرض بـهـيـبـة وإيـمـان
والـلـي خـاويـة، تـبـقـى الـسـمـا تـنـاطـح
تـمـيـل مـع الـريـح، وسـرهـا واضـح
الـنـفـخـة الـخـاوية مـا تـبـنـي دار
غـيـر كـلام الـعـيـب والـقـلـب الـجـارح
يـا ابـن آدم، مـن تـراب مـخـلـوق
لا تـشـوف الـغـيـر مـن تـحـت لـفـوق
الـدنـيـا سـاعـة، وكـلـشـي غـادي يـفـوت
والـلـي يـرحـم الـنـاس، يـبـقـى الـحـق لـيـه مـسـيـوق
اخـدم بـالـصـمـت، وعـامـل بـالـلـي كـان
الـرزق عـنـد الله، والـعـز لـلـقـنـعـان
سـعـدات مـن صـغـر نـفـسـو
قـدام الـخـلـق، عـنـد الـخـالـق
راه مـقـامـو كـبـيـر وبـان

