بقلم: د.يوسف الجياني/ عضو المكتب السياسي و المنسق العام لقطاع الشبيبة بحزب النهضة والفضيلة.
كلما اقترب موعد الاستحقاقات التشريعية في المغرب، عاد الحديث بقوة عن ضرورة إشراك الشباب في الحياة السياسية ومنحهم فرصة الترشح والدخول إلى المؤسسة التشريعية. غير أن السؤال الجوهري الذي يفرض نفسه اليوم بإلحاح هو: هل أعدّت الأحزاب السياسية فعلاً شبابها لخوض هذه التجربة؟ وهل يمتلك هؤلاء الشباب الأدوات المعرفية والسياسية والتدبيرية التي تمكنهم من تمثيل المواطنين داخل قبة البرلمان المغربي بكفاءة ومسؤولية؟
من حيث المبدأ، لا أحد يجادل في أهمية تشبيب الحياة السياسية، ولا في ضرورة ضخ دماء جديدة داخل المؤسسات المنتخبة. فالشباب يمتلكون طاقة متجددة، ورؤية مختلفة، وقدرة على التفاعل مع التحولات الاجتماعية والاقتصادية المتسارعة. لكن الإشكال الحقيقي لا يكمن في مبدأ المشاركة، بل في مدى جاهزية الشباب الذين تدفع بهم الأحزاب إلى واجهة الانتخابات.
المتتبعون للشأن السياسي الوطني يدركون أن كثيراً من الأحزاب السياسية لم تجعل من التأطير والتكوين السياسي أولوية داخل برامجها التنظيمية. فباستثناء بعض التجارب المحدودة، تظل أنشطة التنظيمات الشبابية في عدد من الأحزاب أقرب إلى لقاءات ظرفية أو أنشطة موسمية تفتقر إلى العمق الفكري والتكويني. وغالباً ما تركز هذه الأنشطة على الحضور الرمزي أكثر من تركيزها على بناء كفاءات قادرة على النقاش والتشريع وصناعة القرار.
إن العمل السياسي ليس مجرد حماس أو رغبة في الظهور داخل المؤسسات المنتخبة، بل هو ممارسة تحتاج إلى تكوين معرفي وقانوني، وفهم عميق لآليات التشريع والرقابة، وإدراك لتعقيدات السياسات العمومية. فالنائب البرلماني لا يمثل نفسه فقط، بل يمثل دائرة انتخابية ومجتمعاً ينتظر منه الدفاع عن قضاياه ومصالحه.
غير أن ما يحدث في كثير من الأحيان هو أن بعض الأحزاب لا تبدأ التفكير في الشباب إلا عندما تقترب الانتخابات، حيث تتحول لوائح الترشيح إلى ما يشبه “لوائح المحظوظين”، بدل أن تكون نتيجة مسار طويل من التكوين والتدرج داخل التنظيم الحزبي. وهنا يصبح إدماج الشباب أقرب إلى خطوة شكلية لإرضاء الخطاب السياسي حول التشبيب، أكثر منه مشروعاً حقيقياً لتجديد النخب.
والنتيجة أن المؤسسة التشريعية قد تستقبل أحياناً وجوهاً شابة، لكنها تفتقر إلى الأدوات الكافية لإحداث الفارق داخل العمل البرلماني. وبدل أن يتحول التشبيب إلى فرصة لإدخال أفكار جديدة ودينامية مختلفة، يصبح مجرد تغيير في الأعمار دون تغيير حقيقي في الممارسة السياسية.
ولا يعني هذا التعميم أن جميع الأحزاب تعاني من المشكلة نفسها؛ فهناك بعض التنظيمات التي ما تزال تستثمر في قواعدها الشبابية عبر برامج تكوين منتظمة، وورشات للتأطير السياسي، وتدريب على مهارات التواصل والترافع وصياغة السياسات. غير أن هذه المبادرات تبقى محدودة مقارنة بما يتطلبه إصلاح حقيقي للحياة الحزبية.
إن تشبيب السياسة لا يتحقق فقط بفتح باب الترشح أمام الشباب، بل يبدأ أولاً بإعادة الاعتبار للتكوين الحزبي الجاد، وبناء مدارس سياسية داخل الأحزاب قادرة على إعداد جيل جديد من القيادات. بدون ذلك، ستظل مقرات العديد من الأحزاب فضاءات شبه مهجورة، لا تستيقظ إلا في موسم الانتخابات، لتعود بعدها إلى صمتها المعتاد.
وفي النهاية، يبقى السؤال معلقاً: هل تريد الأحزاب فعلاً شباباً يقودون المستقبل، أم مجرد أسماء شابة تزين لوائح الانتخابات؟ الفرق بين الاثنين هو الفرق بين تجديد حقيقي للحياة السياسية، واستمرار نفس الممارسات بوجوه جديدة.

