لم تكن فيضانات وادي اللوكوس مجرد حادث طبيعي عابر، بل اختبارًا قاسيًا للهشاشة الاجتماعية، ولقدرة المؤسسات والمجتمع على حماية أبسط الحقوق: حق الطفل في التعليم. فحين جرفت المياه البيوت والطمأنينة بمدينة القصر الكبير، كان الخوف الأكبر أن تجرف معها مستقبل الأطفال، وأن تتحول الهشاشة المؤقتة إلى انقطاع دائم عن المدرسة.
غير أن ما وقع بعمالة المضيق-الفنيدق قدّم صورة مغايرة لما اعتدناه في مثل هذه الأزمات. فبعيدًا عن منطق التدبير الاستعجالي الضيق، برز وعي جماعي بأن الإيواء وحده لا يكفي، وأن الطفل الذي يفقد مقعده الدراسي يفقد أكثر من سنة تعليمية؛ يفقد الإحساس بالاستقرار والأمان والانتماء.
اللافت في هذه التجربة هو الانتقال من منطق الإغاثة إلى منطق المواكبة. ففتح المؤسسات التعليمية أبوابها لتلاميذ القصر الكبير، وتعبئة الموارد البيداغوجية والنفسية، وتوفير اللوازم المدرسية، كلها خطوات تؤكد أن المدرسة ليست بناية فقط، بل فضاء لإعادة ترميم التوازن النفسي للأطفال بعد الصدمة.
كما أن انخراط العصبة المغربية لحماية الطفولة، وفتح المركز المتوسطي للطفل بالمضيق أمام الأسر المتضررة، يكشف عن بعد آخر غالبًا ما يُغفل في الكوارث الطبيعية: الأثر النفسي. فالطفل الذي عاش الخوف وفقدان البيت يحتاج إلى أكثر من كتاب ومحفظة؛ يحتاج إلى احتواء، وإلى إحساس بأن المجتمع لم يتخلّ عنه.
هذه المبادرات، مهما بدت محدودة عدديًا، تحمل دلالة عميقة: حين تتكامل الدولة والمجتمع المدني، يصبح تدبير الأزمة فرصة لإعادة بناء الثقة، لا مجرد تصريف ظرفي للمحنة. وهي رسالة واضحة بأن العدالة المجالية لا تُقاس فقط بالاستثمارات الكبرى، بل أيضًا بالقدرة على حماية الفئات الهشة حين تشتد الأزمات.
ما حدث في المضيق-الفنيدق ليس نهاية الطريق، بل بداية تفكير جديد: كيف نحول الكوارث الطبيعية من لحظات انكسار إلى محطات لإصلاح السياسات الاجتماعية والتربوية؟ وكيف نجعل من حق التمدرس خطًا أحمر لا تغرقه الفيضانات ولا تؤجله الظروف؟
في النهاية، قد تهدم المياه الجدران، لكنها لا يجب أن تهدم الأحلام. وما جرى يؤكد أن إنقاذ المستقبل يبدأ أحيانًا من فصل دراسي مؤقت… لكنه مليء بالأمل.
حين لا تُغرق الفيضانات المدرسة… درس من المضيق-الفنيدق

كتبه Srifi كتب في 9 فبراير، 2026 - 1:09 مساءً
مقالات ذات صلة
31 مارس، 2026
بالصور: وكيلة الملك بإيمنتانوت تترأس الاجتماع الدوري الأول للجنة المحلية للتكفل بالنساء والأطفال ضحايا العنف برسم سنة 2026
أبو إياد / مكتب مراكش احتضنت المحكمة الابتدائية بمدينة إيمنتانوت، يوم الثلاثاء 31 مارس 2026، أشغال الاجتماع الدوري الأول للجنة [...]
31 مارس، 2026
عمال توصيل منصة “كلوفو” بالرباط يؤسسون فرعهم النقابي داخل الاتحاد المغربي للشغل: خطوة نوعية لتعزيز النضال من أجل الحقوق
في سياق نضالي تصاعدي، شهد مقر الاتحاد المغربي للشغل بالرباط، يوم الاثنين 30 مارس 2026، تأسيس فرع الرباط لنقابة عمال [...]
31 مارس، 2026
حوار اجتماعي يعزز تطوير النقل ببنسليمان واستعداد لإطلاق أسطول جديد
شهد مقر الاتحاد المغربي للشغل بمدينة بنسليمان، اليوم، لقاءً هامًا جمع مسؤولي النقابة بالمدير العام لشركة “فوغال”، المفوض لها تدبير [...]
31 مارس، 2026
بالصور : ساكنة السويهلة تحتج على تنفيذ “جزئي” لقرار هدم وتتهم عون سلطة بالتستر
أبو إياد / مكتب مراكش عبّرت ساكنة دوار المزارة، التابع للجماعة الترابية السويهلة بضواحي مراكش، عن استيائها من خروقات تعميرية [...]
