الرئيسية غير مصنف المحاماة بالمغرب: الحصن الأخير في مواجهة تغول السلطة

المحاماة بالمغرب: الحصن الأخير في مواجهة تغول السلطة

929e173f 1f1d 44dd bc4d ecf5e0d5d966
كتبه كتب في 1 فبراير، 2026 - 9:46 مساءً

ذ/ يوسف عبد القاوي

لم تكن مهنة المحاماة في المغرب يوما مجرد وظيفة لتقديم الاستشارات أو الترافع خلف الأسوار، بل ظلت عبر التاريخ صمام أمان حقوقي، وضميرا حيا يقف في وجه أي جنوح نحو الاستبداد أو الشطط في استعمال السلطة.

واليوم، وفي ظل تحولات تشريعية وسياسية متسارعة، تجد “البذلة السوداء” نفسها في قلب معركة وجودية تتجاوز مجرد المطالب المهنية الضيقة؛ فهي مواجهة مباشرة بين سلطة تنفيذية تسعى لبسط وصايتها على مفاصل العدالة، وبين جسد مهني يصر على أن استقلاليته هي “الأكسجين” الذي يتنفس به المتقاضون أمنهم القانوني.

إن ما تشهده الساحة المهنية اليوم من استهداف صريح لحصانة المحامي وتنظيمه الذاتي، ليس إلا محاولة لقص أجنحة هذا الحصن الصامد الذي أبى أن ينحني أمام منطق التدجين، متمسكا بدوره التاريخي كخط دفاع أخير عن دولة الحق والقانون.

​1. مكامن قوة مهنة المحاماة بالمغرب:

​تستمد مهنة المحاماة قوتها من كونها “سلطة مضادة” وليست مجرد قطاع خدماتي، وتتجلى هذه القوة في:

​الاستقلال العضوي والوظيفي: المحاماة هي المهنة الوحيدة التي تسيّر شؤونها بنفسها (الانتخاب، التأديب، التكوين) بعيدا عن الوصاية الإدارية لوزارة العدل، مما يجعل قرارها سياديا وغير خاضع للضغط البيروقراطي.

​المناعة المالية والاجتماعية: أظهرت الجائحة أن المحامين يشكلون “صندوق تضامن” ذاتي وقوي، حيث ساهموا بـ 8.25 مليون درهم دون طلب دعم حكومي، مما قطع الطريق على أي محاولة لاحتوائهم من خلال الابتزاز المالي أو الدعم المشروط.

​الاحتكار المعرفي للتشريع: المحامي هو “الحارس اليقظ” للنصوص القانونية، قوته تكمن في قدرته على كشف “الثغرات الاستبدادية” في مشاريع القوانين (مثل المسطرة المدنية والجنائية) وتحويلها إلى قضايا رأي عام.

​الدور التاريخي كـ “درع للحريات”: وقوف المحامين ككتلة واحدة ضد “إلزامية جواز التلقيح” وضد اعتقالات “احتجاجات 2025” جعل منهم الحصن الأخير الذي تلجأ إليه الحركات الاجتماعية عند تغول السلطة.

​2. لماذا يتم استهداف استقلالية المحاماة؟:

​إن الهجمة الممنهجة عبر مشروع القانون 66.23 تهدف إلى تحقيق غايات استراتيجية للسلطة:

​تطويع “الإرادة الحرة”: تسعى الحكومة لنقل سلطة القرار والرقابة إلى وزارة العدل (عبر المجلس الوطني المقترح)، وذلك لتحويل المحامي من “شريك في العدالة” إلى “منفذ للسياسات القضائية” الحكومية.

​تحجيم القدرة على الاحتجاج: إن منع المحامين من الاحتجاج داخل المحاكم يهدف إلى كسر رمزية “البذلة السوداء” وتجريدهم من أدوات الضغط الميداني التي أثبتت فعاليتها في تجميد القوانين التراجعية.

​الهيمنة على “الولوج للمهنة”: بتدخل الوزارة في المباراة والتكوين، تسعى السلطة للتحكم في “المدخلات البشرية” للمهنة، لضمان جيل مهني أقل تسييسا وأكثر مهادنة.

​3. أسباب استهداف حصانة المحامي:

​الحصانة ليست “امتيازا طبقيا” للمحامي، بل هي “ضمانة للمتقاضي“، واستهدافها يعني:
​إسكات المرافعات الجريئة: بدون حصانة، سيصبح المحامي مهددا بالمتابعة الجنائية أو التأديبية، عبر مساطر فائقة السرعة، إذا ما انتقد أجهزة الدولة أو كشف شطط النيابة العامة، خاصة في المحاكمات السياسية وقضايا المال العام.

​تسهيل تمرير “المساطر التراجعية”: عندما يتم إضعاف حصانة المحامي، يسهل تمرير قوانين (مثل مقتضيات المسطرة الجنائية 2025) التي تحد من صلاحيات الدفاع وتغل يده عن فضح الفساد الإداري.

​الانتقام السياسي: استهداف الحصانة هو رد فعل مباشر على “الإحراج الحقوقي” الذي سببه المحامون للدولة أمام المنتظم الدولي في قضايا الاعتقالات والمحاكمات الكبرى.

ك​خلاصة، ​إن محاولة “قص أجنحة” المحاماة عبر مشروع القانون 66.23 هي محاولة لهدم “الركن الرابع” في بنية الدولة الحقوقية. فالمحاماة المستقلة هي التي تحول دون تحول “دولة القانون” إلى “دولة القانون القوي“. إن وحدة المحامين اليوم (بنسبة نجاح إضراب 100%) هي الرد العملي على محاولة تحويل “مهنة النبلاء” إلى “وظيفة تحت الطلب“.
​”استقلالية المحاماة هي الأكسجين الذي تتنفس به العدالة؛ فإذا انقطع، اختنقت الحقوق.”

مشاركة