الرئيسية أحداث المجتمع الحكامة المائية بالقصر الكبير والفيضانات… استشراف التدبير وإعادة ترتيب المجال.

الحكامة المائية بالقصر الكبير والفيضانات… استشراف التدبير وإعادة ترتيب المجال.

IMG 20260205 WA0067
كتبه كتب في 5 فبراير، 2026 - 9:30 مساءً

بقلم حبيل رشيد – باحث في الحكامة المائية بالمغرب.

يقول عالم الفيضانات الأمريكي جيلبرت وايت Gilbert F. White:
“الفيضانات ليست كوارث طبيعية خالصة، وإنما نتائج طبيعية لاختيارات بشرية خاطئة في استغلال السهول النهرية.”

تستيقظ القصر الكبير هذه الأيام على منسوب متصاعد للمياه، لا يمكن قراءته بوصفه حادثاً عابراً، بل كاختبار مباشر لنظام التدبير المائي. فالمدينة، المتأصلة جذورها في حضن لوكوس وسبو، تواجه آثار تراكمية لتخطيط عمراني لم يحسب بدقة متطلبات المجال المائي. وتتضح مؤشرات الضغط المائي من خلال ارتفاع المخزونات، وتشبع المجاري، وتسارع الجريان، وهو ما يضع السكان أمام سيناريوهات طارئة لم تعد قابلة للتأجيل.

هذا الوضع يستدعي قراءة عملية للتدبير المائي في إطار حكامة واقعية، قائمة على رصد المبكر وتحليل المسارات الطبيعية للجريان قبل وصوله. فالتجارب المقارنة حول العالم، خصوصاً في هولندا واليابان، تؤكد أن السيطرة على الفيضانات لا تتحقق عبر الحلول الطارئة وحدها، بل من خلال بناء أنظمة استباقية متكاملة تجمع بين التخطيط العمراني، وتصريف المياه، وتنظيم المساحات المنخفضة.

على سبيل المثال، طبقت هولندا استراتيجية “المدن المغمورة” التي تمنح للمياه مساحة مخصصة عند ارتفاع المنسوب، مع الحفاظ على الأنشطة البشرية بشكل آمن، مما قلل من الخسائر البشرية والمادية. كما أن اليابان طورت شبكات إنذار مبكر متصلة مباشرة بخدمات الطوارئ، حيث يتم إخلاء السكان في غضون ساعات قبل بلوغ المياه ذروتها، وهو ما يعكس دمج المعرفة العلمية بالممارسة العملية.

وبالتطبيق على القصر الكبير، يمكن استخلاص حلول عملية تشمل عدة محاور: أولها تحسين قدرات المجاري المائية الداخلية عبر صيانة القنوات وتعميقها وتوسيع مجرى اللوكوس في المناطق الأكثر عرضة للغمر. ثانياً، تفعيل نظام تنبيه مبكر يربط بين المعطيات المناخية المحلية والمؤشرات الهيدرولوجية، مع إشراك المجتمع المحلي في عملية الاستجابة السريعة. ثالثاً، إعادة التفكير في التوسع العمراني داخل المناطق المنخفضة، عبر وضع قيود على البناء في أماكن تشكل خزانات طبيعية للمياه، وتطوير حدائق مائية ومساحات امتصاص طبيعية تقلل من قوة الجريان.

ومن منظور استراتيجي، يصبح الدمج بين التخطيط الوقائي والتدخلات العلاجية أساسياً، فالتخطيط المسبق يقلل الاعتماد على عمليات الإجلاء الطارئة ويحولها إلى أداة استثنائية، لا إجراء متكرر. وهذا يستلزم إنشاء قاعدة بيانات مركزية للمجاري المائية وسجلات تاريخية لتساقطات الأمطار، ما يسمح بمراجعة دورية للمسارات وتحليل المخاطر بشكل متجدد.

كما أن التعاون بين السلطات المحلية، والخبراء البيئيين، والمجتمع المدني يُعد عنصراً محورياً لضمان استمرارية المراقبة والتقييم. ففي تجارب الولايات المتحدة الأمريكية، تم ربط عمليات الرصد المائي بالخطط التنموية، مما أدى إلى الحد من الخسائر المادية رغم زيادة التساقطات. وبالمثل، يمكن للقصر الكبير تبني نمط مراقبة قائم على مؤشرات كمية ونوعية، يربط بين ارتفاع المنسوب، وسرعة الجريان، ومستوى التشبع، لتفعيل الإجراءات قبل أن يتحول الفيضان إلى كارثة فعلية.

ومن زاوية بيئية، يتضح أن أي إدارة غير متوازنة للمياه قد تخل بتوازن التربة والضفاف، مما يؤدي إلى تآكل الأراضي وزيادة هشاشة المجاري. ومن هذا المنطلق، يجب دمج استراتيجيات الحماية البيئية مع التخطيط العمراني، من خلال إنشاء مصارف طبيعية، وزراعة غابات مصدّة للجريان، واستحداث مناطق امتصاص مؤقتة. هذه الإجراءات، رغم بساطتها، تثبت فعاليتها في التجارب المقارنة، وتؤكد أن الحلول الواقعية ليست بالضرورة معقدة، بل تتطلب انسجاماً بين المعرفة العلمية والإدارة العملية.

ويأتي عنصر التمويل والدعم اللوجستي ليكمل دائرة التدبير، إذ يمكن استثمار موارد محلية وإقليمية لإنشاء بنية تحتية مستدامة، تشمل قنوات تصريف، وأنظمة إنذار، ومراكز إيواء طارئة مجهزة مسبقاً. كما أن إدماج الساكنة في تنفيذ ومراقبة هذه الخطط يعزز الوعي ويزيد من قدرة المجتمع على الاستجابة، وهو ما أثبتته التجارب الدولية في الحد من الخسائر البشرية.

إن القصر الكبير، عبر ما يعيشه من ارتفاع منسوب مياه ولوكوس وسبو، تقدم مثالاً واضحاً على أن التدبير المائي ليس مسألة تقنية بحتة، بل عملية متكاملة تشمل التخطيط العمراني، والمراقبة العلمية، والاستجابة المجتمعية. فالفيضان، كما يشير جيلبرت وايت، ليس مجرد قوة طبيعية، بل انعكاس لاختيارات البشر، وهو ما يجعل كل موسم مطري فرصة لإعادة ترتيب الأولويات وإعادة تقييم السياسات المائية.

وعليه، يمكن صياغة مجموعة من الحلول الواقعية القائمة على الاستشراف والوقاية: تحسين شبكات التصريف، إنشاء مصارف ومناطق امتصاص طبيعية، تطوير أنظمة إنذار مبكر، تقييد البناء في المناطق المنخفضة، ودمج المجتمع المحلي في التخطيط والتنفيذ. كما أن تقييم هذه الاستراتيجيات بشكل دوري مع مراجعة المؤشرات العلمية يسمح بتقليص المخاطر وتحويل التحدي إلى فرصة لتعزيز استدامة المجال المائي والحفاظ على حياة المواطنين.

كما أن التجربة العملية توضح أن الربط بين المعرفة التقنية والخبرة الميدانية يشكل العمود الفقري لأي استراتيجية ناجعة، فكل إجراء يسبق الجريان يقلل من أثر الفيضان ويحول التخطيط إلى ممارسة حقيقية قائمة على التدبير الواقعي، لا على ردود الفعل الطارئة وحدها. وهذا ما يجعل القصر الكبير نموذجاً حياً لتطبيق الحكامة المائية الواقعية، التي تجمع بين الرؤية الاستراتيجية، والاستشراف العلمي، والتنفيذ الواقعي، معتمدة على تجارب دولية مثبتة وملائمة للخصوصية المحلية.

وبالنهاية، يظهر أن الفيضان ليس مجرد خطر متكرر، بل مؤشراً على قوة نظام التدبير وفاعلية السياسات، وهو ما يفرض على صانعي القرار إعادة النظر في كل مستويات التخطيط، وتفعيل استراتيجيات استباقية، ودمج المعرفة العلمية مع القرارات الواقعية، بما يضمن استدامة المجال، ويحافظ على الأرواح والممتلكات، ويحول القصر الكبير من ساحة مواجهة للفيضانات إلى نموذج للقدرة على إدارة الموارد المائية بذكاء وحكمة.

مشاركة