الرئيسية آراء وأقلام نقد التراث الاسلامي.. كيف ساهم التنوير الجديد في ثورة التكفير ! ؟

نقد التراث الاسلامي.. كيف ساهم التنوير الجديد في ثورة التكفير ! ؟

IMG 20200527 WA0166.jpg
كتبه كتب في 28 مايو، 2020 - 1:58 مساءً


بقلم مصطفى أمجكال لصوت العدالة

الدعوة إلى قراءة جديدة و علمية مستنيرة للتراث الاسلامي الكبير لا تزال محط نقاش وجدال بين العلماء والمفكرين و المثقفين و حتى السياسيين اليوم بما يمكن أن يتناسب مع بناء منظور جديد حول الدولة والحكم و الشريعة و المدنية و الديمقراطية و غيرها من المفاهيم التي لا تزال موضوع صراع و أخذ ورد.
كثيرة هي الحقول المعرفية التي ينبغي معالجتها اليوم معالجة علمية دقيقة و إيجاد فضاء مشترك للنقاش وبذل الوسع لتوحيد الرؤية حولها. إن مفهوم الدولة و الديمقراطية و السياسة و العلمانية والحكم و الجهاد و العلاقات الدولية و أحكام الردة والحرية ومباحث فقهية و سياسية متعددة لم تحظى بما يكفي من النقاش و الحوار بين الشباب المتدين اليوم إلا من زاوية ضيقة جدا ، هي زاوية الصراع و الحرب بين الثابت و المتحول ، بين النص و فهم النص ( التراث الاسلامي ) . لذلك لا غرابة إن وجدنا اليوم من لا يزال متعلقا بمفاهيم زمان و مكان القرن السابع و هو اليوم في زمكان القرن الواحد و العشرون !!
لماذا نحن اليوم في حاجة ماسة جدا لخلق نقاش عمومي جاد و صريح وعميق في كل هذه الحقول المعرفية ؟ لماذا ينبغي للشباب المتدين أن ينفتح على ما عند الاخر ( الذي ظل يعتبره عدوا للدين لمجرد الاختلاف ) و يفكك خطابه و يأخذ ما فيه من الحق ويناقش ما عنده من الخطأ دون تفعيل زر الهجوم و السب و التكفير ؟ و في المقابل ، لماذا ينبغي أن يقبل الحداثي و العلماني و الليبرالي حوار و نقاش المتدين الذي يرى في تمسكه بالأصل ( كما يراه اصلا ) خلاصا من الذل والهوان وطريقا نحو التمكين؟
لا يمكن تفكيك الصورة اليوم دون طرح الاسئلة الكثيرة و العميقة ، لأن المنطلق الصحيح نحو بناء المستقبل هو تشخيص الواقع الحاضر عبر السؤال الصريح ثم الاجابة الواقعية الواعية التي تروم منهج البناء وليس الهدم . و من خلال مقالي هذا سوف احاول فقط تسليط الضوء حول بعض المحاولات التي استهدفت معالجة التراث الاسلامي عبر حلقات النقد والتمحيص كما تزعم و تحاول ، سواء عبر صفحات التواصل الاجتماعي او قنوات اليوتيوب . و أنا لست يصدد المحاكمة بقدر ما اعمد الان الى رصد النتائج و طرح سؤال الغاية والأثر .
التنويريون الجدد
من خلال جولة متأنية في صفحاتهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي و قنواتهم الخاصة في اليوتيوب أو بعض القنوات التلفزية الخاصة التي فتحت لبعضهم الباب على مصرعيه .. يمكن أن نلاحظ شيئا مهما و باديا للعيان من غير عناء كثير ألا وهو منسوب الهجوم المرتفع جدا و استخدام اسلوب التنقيص و الاستهزاء من التراث باعتباره رجعية وتخلف و سبب في الانحطاط ، وهذا ليس محض افتراء على القوم بقدر ما هو واقع يمكن رصده من خلال المصطلحات و مستوى الخطاب والألفاظ المستخدمة.
قد يقول أحدهم أنه أمر عادي ما دام الهدف هو استفزاز الوعي و تحريك الراكد و إذابة الجمود و الدعوة إلى البحث والسؤال ، لكن يمكن أيضا ان تكون الغاية الشهرة و البوز الاعلامي و المال ، و هذين الاحتمالين يجيب عنهما واقع الاثر و حقيقة النتائج .
و أنا لن أقف عند الشهرة و المال والبوز الاعلامي ، فهذا أمر لا حق لي في التعقيب عليه ، لكن لي كامل الحق في رصد الاثر والنتائج و مدى تأثير هذه الزوبعة التنويرية في الرفع من منسوب الوعي الشبابي فعلا أم هي زوبعة في فنجان غاية اثرها خلق جيل مقلد جامد يحاكي الجيل المقدس للتراث و الجامد على عتباته و الرافض لمغادرتها .
الملاحظة الأولى: أغلب من يتصدر لنقد التراث اليوم يعمد إلى أسلوب التشكيك في كل شيء ، و نسبة التخلف إلى الماضي ، و العمل على إدراج الكثير من المصطلحات العلمية من باب خلق الصدمة و الدهشة عند المتلقي ليخرج بانطباع ان المتحدث قد احاط بكل الموضوع و له باع من علم وبالتالي فهو على صواب .
الملاحظة الثانية : الهجوم المتسارع عبر استخدام اسلوب التهويل من خطر الماضي و وصف التراثي بالظلامي والرجعي و اليوم ظهر مصطلح الداعشي الارهابي ، و هو أسلوب يعمد إليه من يريد إقناع المتلقي بأنه يحارب من الكلمة الحرة و الدين النقي الصافي من التخلف … وهنا قد لا يختلف كثيرا عن منتقديه في الاسلوب كما سأوضح .
الملاحظة الثالثة : غياب النسق الفكري و المقدمات العلمية المنطقية في النقاش . لقد تتبعت حلقات بعضهم فوجدته في اغلب حلقاته يتحدث عن الوهم و التحدي و التشكيك ، و أنا اتباع و انتظر بديلا علميا وجوابا شافيا خاب انتظاري دون نتائج ، فأدركت شيئا واحدا أنها حلقة من أجل التشكيك الذي قد يتقنه كل جاهل وغبي ، لكن التأصيل لا يعرف مدخله إلا المتمكن الرصين .
الملاحظة الرابعة : المساهمة في خلق قطيع من نوع جديد ، قطيع بنى فكره الديني على التشكيك و الجرأة على الله ورسوله بدل الجرأة في الحوار الجاد وقبول الاختلاف . لقد رأينا اليوم من خرج باسم نقد التراث لتكذيب التاريخ والطعن في رسول الله صلى الله عليه وسلم وفتح المجال أمام قطيع المتتبعين للتمرد على الدين والشرع دون أدنى توجيه أو بيان أو توضيح ، بل منهم من اختلطت عليه المفاهيم فصار أذاة في يد اصحاب مشاريع التنصير و الإلحاد الجديد .
في مقابل هذه الملاحظات السريعة لابد من ذكر بعض النتائج التي افرزها هذا التيار التنويري الجديد :
أولا : تأجيج الصراع الفكري بين الشباب بدل خلق مجال رحب للنقاش الجاد والبحث عن الحلول المشتركة و التقدم المستمر في البناء بدل الهدم .
ثانيا : ما يظهر من تزايد ملحوظ في عدد الشباب العاطفي المتحمس الذي يرى في كل تجديد تغريب و في كل تحقيق كفر وزندقة و في كل حوار جرأة على الله تستوجب الرد مهما كانت اصيلة ، و ما ذلك إلا ردة فعل تجاه التنوير الجديد الذي هو الاخر لم يقدم أجوبة شافية كافية بقدر ما قدم التشكيك فقط .
ثالثا : إنه ردة الفعل هاته التي خلقها بعض التنويريون الجدد كانت سببا في الاعراض عن الكثير من البحوث الجادة و الصادقة و التي وضع اسسها نخبة من المثقفين منذ زمن ولا تزال الى اليوم سببا في البحث والعلم و المعرفة .
إننا اليوم أمام موجة من الصراع المعرفي الذي يذهب ضحيته الشباب بين دعاة التنوير و دعاة التكفير ، و لا غرابة في ذلك ما دامت علاقتنا بالقراءة بئيسة جدا و ضعيفة ، و ما دام الخوف من السؤال قابع على الرقاب .

مشاركة