الرئيسية آراء وأقلام المؤسسات الجديدة في قانون التنظيم القضائي بالمغرب

المؤسسات الجديدة في قانون التنظيم القضائي بالمغرب

FB IMG 1534864656732.jpg
كتبه كتب في 21 أغسطس، 2018 - 4:18 مساءً

الأستاذ عبد اللطيف الشنتوف

صادق مجلس المستشارين (الغرفة الثانية للبرلمان) بالمغرب يوم 24-07-2018 على  القانون رقم 15-38 المتعلق بالتنظيم القضائي[1]، بعدما كان مجلس النواب صادق عليه مند سنتين وتحديدا بتاريخ 28-06-2016. وهو القانون الذي سبق لوزارة العدل أن أعدته وطرحته للنقاش وتلقت بشأنه عدة مذكرات لجمعيات وهيئات مهتمة بشؤون العدالة وتضمن  العديد من المستجدات التي لم يسبق للمغرب أن عمل بها. إلا أن هذا القانون تأخرت المصادقة عليه بسبب انتهاء ولاية البرلمان ودخول البلاد فترة انتخابات سنة 2016 وما رافقها بعد ذلك من تأخر في تشكيل الحكومة وكذا كثرة الأولويات التشريعية.

فما هي اذن المؤسسات القانونية الجديدة التي جاء بها هذا القانون؟ وما هي أهم الملاحظات الأولية عليها؟

أهم المؤسسات القانونية المنصوص عليها في قانون التنظيم القضائي الجديد والملاحظات عليها

تضمن قانون التنظيم القضائي الجديد الذي تمت المصادقة عليه من طرف البرلمان عدة مؤسسات جديدة لم يسبق أن تضمنها القانون الحالي المؤرخ في 15-07-1974[2]، وسوف يبدأ العمل بها داخل المحاكم المغربية بمختلف درجاتها ابتداء من تاريخ دخول القانون الجديد حيز التنفيذ2. وأهم هذه المؤسسات مع بسط بعض الملاحظات الأولية عليها، الآتية:

  •  الحضور اللافت لمؤسسة المجلس الأعلى للسلطة القضائية:

أصبح حضور مؤسسة المجلس لافتا في القانون الجديد من خلال عدة مواد[3]تهم إما التنسيق معه من طرف وزارة العدل أو استشارته أو إشعاره فيما له علاقة بالتدبير الإداري والمالي للمحاكم، وهو أمر جديد، إذ لم يكن القانون السابق يشير إلى المجلس الأعلى للقضاء في أي فصل من فصوله فيما له علاقة بالتدبير.

  • إمكانية إحداث غرف استئنافية دائمة تابعة لمحاكم الاستئناف داخل دائرة اختصاصها المكاني بمرسوم حكومي (المادة03)، ويعد هذا الامر جديدا إذ الموجود حاليا هو غرف استئنافية لها اختصاصات محددة تتبع للمحاكم الابتدائية وليس للمحاكم الاستئنافية.

  • لجنة بحث الصعوبات المتعلقة بسير المحكمة وإيجاد الحلول لها (المادة 18):

هذه اللجنة تحدث على صعيد المحاكم الابتدائية ومحاكم الاستئناف تحت إشراف رؤساء هذه المحاكم وعضوية كل من وكيل الملك/الوكيل العام والكاتب العام بهما ونقيب هيئة المحامين في الدائرة المعنية بها اللجنة. ويمكن إشراك عضوية رئيس المهنة القانونية إذا تعلق الاجتماع بموضوع يهمها. والملاحظ على هذه اللجنة أنها جعلت عضوية المحامين ثابتة في وقت جعلت عضوية باقي المهن مقتصرة على موضوع الاجتماع إن كان يهمها. وهو ما يكرس المكانة التي منحها القانون لهيئة الدفاع داخل المحاكم مقارنة مع باقي المهن الأخرى، مع ملاحظة أخيرة وهي أنه تم استثناء محكمة النقض من وجود هذه اللجنة.

  • إحداث منصب إداري جديد هو الكاتب العام للمحكمة (المادة 23):

يعتبر إحداث منصب الكاتب أحد تمظهرات الازدواجية التي أصبحت المحاكم المغربية تعيش على إيقاعها، بعدما فضلت الحكومة ممثلة بوزارة العدل الاحتفاظ بوجود لها في المحاكم عوضا عن الاستقلال التام إداريا وماليا الذي كانت تطالب الجهات القضائية من مؤسسات وجمعيات مهنية للقضاة إبان النقاش الذي أعقب مرحلة إقرار دستور 2011 ، ومنح القانون الجديد صلاحية تدبير شؤون موظفي المحكمة الإدارية، فضلا عن عضويته بمكتب المحكمة وحضوره في جمعيتها العامة  بصفة استشارية.

  • لجنة التنسيق على صعيد المحاكم الابتدائية والاستئنافية:

نصت المادة 24 من قانون التنظيم القضائي الجديد على إحداث لجنة للتنسيق تعمل تحت إشراف كل من رئيس المحكمة المعنية وعضوية وكيل الملك والكاتب العام بنفس المحكمة وحددت مهام هذه اللجنة بشكل مجمل في تدبير شؤون المحكمة. وهي عبارة غامضة لا تدل على المقصود. والأكيد أنها ستطرح إشكالات على الصعيد العملي، إذ لم يبن النص ما المقصود بتدبير شؤون المحكمة: هل هي الجوانب الإدارية أو المالية أو غير ذلك. وبالتالي أتصور أن هذه اللجنة تحتاج بدورها إلى من يدبر شؤونها، خاصة إذا علمنا الخلفيات والحساسيات المكونة لها بحيث إن طرفيها ينتميان لسلطتين مختلفين (القضائية والتنفيذية). وبالتالي، كان يجب تحديد الاختصاصات بشكل واضح ووضع آليات الاحتكام عند النزاع. أما ترك الأمور هكذا بشكل مطلق وفي بداية الطريق، فسوف يؤدي من دون شك إلى احتكاكات سيكون لها آثار على جودة العمل وظروف الاشتغال.

  • مكتب المحكمة (المادة 26):

مكتب المحكمة هو هيئة جديدة أحدثها قانون التنظيم القضائي في المحاكم الابتدائية والاستئنافية تتكون من رئيس المحكمة بصفته رئيسا للمكتب وعضوية كل من وكيل الملك/الوكيل العام ونائب رئيس المحكمة ورؤساء الأقسام وقاض/مستشار يختاره الرئيس من بين أقدم القضاة داخل المحكمة ونائب الوكيل العام/ وكيل الملك والكاتب العام. ويختص المكتب بوضع مشروع برنامج تنظيم العمل بالمحكمة من حيث تحديد الأقسام والغرف والهيئات وتأليفها وتوزيع القضايا والمهام على قضاة المحكمة وضبط عدد الجلسات وساعات انعقادها. ويتم استطلاع آراء القضاة قبل اجتماع المكتب من طرف الرئيس أو وكيل الملك/الوكيل العام بالنسبة لقضاة النيابة العامة. ويتم رفع المشروع بعد إقراره من طرف المكتب بأغلبية أعضائه على الجمعية العامة للمصادقة عليه .

والملاحظة التي يمكن تسجيلها هنا، هي أنه تم تعزيز سلطة المسؤولين القضائيين داخل المكتب، على خلاف حتى المسودة السابقة التي طرحتها وزارة العدل والتي كانت تحدث نوعا من التوازن بنصها على عضوية أصغر القضاة وأقدمهم وتمثيلية للمرأة القاضية. وبالإمكان القول اليوم أن تشكيلة المكتب وإن كانت تبدو موسعة فهي في نهاية المطاف  أعطت لرئيس المحكمة اختيار جل أعضائه، بحيث إن نائبه يتم تعيينه من طرف المجلس الأعلى للسلطة القضائية باقتراح منه وكذا رؤساء الأقسام المتخصصة وأقدم القضاة يتم تعيين واحد من طرفه من بين أقدم القضاة وليس بالضرورة أن يكون الأقدم. ويعد هذا الأمر تحايلا على صفة الاقدم الذي قد تكون له جرأة زائدة أو غير ذلك من الحالات التي حصلت في التجربة. وبالتالي تم تلافي كل ذلك بترك الاختيار للرئيس وهذه التشكيلة سوف تضمن له تمرير أي مشروع يريده، فضلا عن أن هؤلاء الأعضاء هم أعضاء بالجمعية العامة وبالتالي ضمان المصادقة على المشروع كذلك. هذا مع استحضار الواقع القضائي الذي لا يفعّل في الغالب اختصاصات الجمعية العامة أصلا لاعتبارات متعددة لا مجال لتفصيلها الآن، وأهمها وجود آليات قانونية وواقعية تكرس فرض المسؤول القضائي لقراراته داخل المحكمة. واهم هذه الآليات آليات تقييم القضاة.

  • مؤسسة الناطق الرسمي باسم المحكمة (المادة 38):

أحدث القانون الجديد لأول مرة مؤسسة الناطق الرسمي باسم المحكمة للتواصل مع الرأي العام والاعلام في القضايا التي تهم المحكمة والتي تحتاج إلى توضيح معين، سيما في القضايا التي تهم الرأي العام. وهي خطوة هامة إذا ما تم استثمارها بطريق علمية، وقد أسند القانون هذه المهمة لرئيس المحكمة ولكنه منحه إمكانية التفويض.

  • إمكانية إحداث أقسام متخصصة (إدارية وتجارية) داخل المحاكم الابتدائية  بمرسوم حكومي بعد استطلاع رأي المجلس الأعلى للسلطة القضائية والهيئات المهنية[4].

  • تعيين قضاة الزواج والتوثيق وشؤون القاصرين والتحقيق والأحداث وتطبيق العقوبات لمدة 03 سنوات بقرار للرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية باقتراح من رئيس المحكمة. والملاحظ على هذا المستجد ما يأتي:

  • إن المكان المناسب للحديث عن تعيين القضاة المكلفين بالمهام المشار اليها أعلاه هو قوانين المسطرة مثل قانون المسطرة الجنائية أو القوانين الموضوع مثل قانون الأسرة وليس قانون التنظيم القضائي باعتباره قانون مؤسسات وهياكل. ولكن ربما أراد المشرع حلّ مشكلة امتناع وزير العدل الحالي الذي له سلطة التعيين عن تجديد ولاية بمهام القضاة أعلاه على اعتبار أن القضاء أصبح مستقلا عن وزارة العدل. وهذا وإن كان موقفا مبدئيا جيدا من الوزارة. ولكن الاشكال أن القانون لم يمنح أي جهة  أخرى هذا الاختصاص.
  • إن قانون التنظيم القضائي منح الاختصاص للرئيس المنتدب لتعيين مهام القضاة أعلاه، دون أن يشير إلى حدف نفس المقتضيات في  قوانين أخرى متفرقة.
  • إنه كان يجب تعديل القوانين الخاصة بالمهام المشار إليها دون حشرها في قانون التنظيم القضائي. فلبعض هذه المهام امتدادات حقوقية مثل قضاء التحقيق الذي له ارتباط بالمحاكمة العادلة. وبالتالي كان يجب ان تخضع مسألة التعيين للنقاش العمومي والحقوقي قبل الحسم بشأنها، سيما وأن المغرب مقبل في الأيام القادمة على تعديل قانون المسطرة الجنائية.

  • مأسسة مكتب المساعدة الاجتماعية (المادة 52):

تولى قانون التنظيم القضائي الجديد  تنظيم مكتب المساعدة الاجتماعية بالمحاكم الابتدائية والاستئنافية وتحديد اختصاصاته. وبالتالي يمكن القول أن القانون الجديد منح دورا مهما لهذا المكتب وعزز من أدواره، محددا إياها فيما يلي: “القيام بالاستقبال والاستماع والدعم والتوجيه والمرفقة ومواكبة الفئات الخاصة، – التوجيه والإرشاد، – إجراء الأبحاث الاجتماعية بطلب من السلطات القضائية، – مهمة الوساطة والصلح في النزاعات المعروضة على القضاء، – القيام بزيارات تفقدية لأماكن الإيداع، – القيام بزيارات تفقدية لأماكن الإيواء، – تتبع تنفيذ العقوبات والتدابير، – القيام بدراسات وبحوث ميدانية، – تتبع وضعية ضحايا الجرائم، – تعزيز التنسيق والتواصل داخل مكونات خلية التكفل بالنساء ضحايا العنف مع باقي الفاعلين في مجال حماية الفئات الخاصة، – إعداد تقارير دورية ترفع للسلطة الحكومية المكلفة بالعدل، – إعداد وتتبع تنفيذ برامج ومشاريع نوعية للحماية والتكفل بالفئات الخاصة داخل اللجان الجهوية والمحلية”.

  • إدخال الجمعية العامة للمحكمة لأول مرة في التاريخ القضائي المغربي لمحكمة النقض (المادتان 95 و96)[5].

  • إحداث مفتشية عامة خاصة بوزارة العدل:

تم إحداث مفتشية عامة خاصة بوزارة العدل وتحديد اختصاصها في مجال التفتيش الإداري والمالي للمحاكم. وقد تمت الإحالة بالنسبة للمفتشية العامة للشؤون القضائية التابعة للمجلس والتي سوف تختص في كل ما يهم تفتيش ما هو قضائي إلى القانون الخاص بها والمنتظر صدوره لاحقا لكون المادة 53 من القانون التنظيمي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية تنص على صدوره. إلا ان الملاحظ على المقتضيات التي تنظم عمل المفتشية العامة التابعة لوزارة العدل هو أن المادة 107 نصت على أنه إذا تطلبت مسطرة التفتيش الاستماع إلى قاض يحال الامر على المفتشية العامة للشؤون القضائية. وهنا يبدو الأمر واضحا في الحفاظ على ضمانات استقلال القضاء، بحيث يجب أن لا تكون لأي جهة أي مدخل من مداخل التأثير على القرار القضائي. إلا أن نفس المادة سمحت بالاستماع إلى المسؤولين القضائيين من طرف مفتشية وزارة العدل، مع أن هؤلاء يمارسون اختصاصات قضائية أيضا من جلسات وغيرها. ألم يقدر المشرع هذا الأمر؟ وما الفرق في أن يعتبره بالنسبة للقضاة ولا يعتبره للمسؤولين القضائيين، مع أن وضعهم المهني أكبر بكثير من القضاة بحكم الاختصاصات القضائية الممنوحة لهم؟

مشاركة