بقلم :د. المصطفى قاسمي
استاذ العلوم السياسية والقانون الدستوري
جامعة الحسن الاول -سطات .
.مقدمة:
شهدت الملاعب الرياضية في المغرب خلال العقدين الأخيرين تحولات جوهرية، حيث تجاوزت وظيفتها التقليدية كمجالات للمنافسة الرياضية لتصبح فضاءات للتعبير الاجتماعي والسياسي، لا سيما لدى فئة الشباب. وقد أفرز هذا التحول بروز ظاهرة شغب الملاعب كأحد أبرز التحديات التي تواجه المنظومة الرياضية الوطنية، مما يستدعي مقاربة شاملة لمعالجتها.
على الرغم من تبني مقاربات أمنية وقانونية متعددة للتعامل مع هذه الظاهرة، فإن استمرارها وتفاقمها يكشف عن محدودية هذه المقاربات في غياب تأطير مؤسساتي فعال للجماهير. من هذا المنطلق، تبرز أهمية طرح إشكالية “دمقرطة الفضاء الرياضي” كمدخل بديل وأكثر شمولية لمعالجة هذه الظاهرة، من خلال إعادة النظر في بنية الحكامة الرياضية ودور الجماهير فيها.
أولاً: الإطار النظري لدمقرطة الفضاء الرياضي
1. مفهوم الفضاء الرياضييُعرَّف الفضاء الرياضي، ضمن المقاربة السوسيولوجية، بأنه مجال اجتماعي تتداخل فيه الأبعاد الرياضية بالسياسية والثقافية [1]. يتسم هذا الفضاء بتفاعل فئات اجتماعية متباينة ضمن علاقات قوة ورمزية معقدة، مما يجعله مرآة تعكس التحولات المجتمعية الأوسع.
2. مفهوم دمقرطة الفضاء الرياضي
تُعرَّف دمقرطة الفضاء الرياضي بأنها:
“إشراك مختلف الفاعلين، وخاصة الجماهير، في تدبير الشأن الرياضي وفق آليات مؤسساتية تضمن التمثيلية، الشفافية، والمساءلة.”
يتجاوز هذا المفهوم مجرد المشاركة الشكلية ليؤسس لحكامة تشاركية تضمن حقوق وواجبات جميع الأطراف المعنية.
3. الأسس النظرية
يرتكز هذا المفهوم على مجموعة من النظريات الاجتماعية والسياسية، أبرزها:
◦ نظرية الحقول الاجتماعية (Bourdieu, 1991) [1]، التي تفسر آليات الصراع والتحكم في الفضاءات الاجتماعية.
◦ نظرية الفعل الجماعي (Touraine)، التي تركز على دور الفاعلين الاجتماعيين في تشكيل التغيير.
◦ نظرية الديمقراطية التشاركية (Habermas)، التي تؤكد على أهمية الحوار والمشاركة في صنع القرار.
ثانياً: حدود المقاربات التقليدية في معالجة شغب الملاعب
على الرغم من الجهود المبذولة، أظهرت المقاربات التقليدية في التعامل مع ظاهرة شغب الملاعب قصوراً في معالجة الأسباب الجذرية للظاهرة:
1. المقاربة الأمنيةتتسم هذه المقاربة بطابعها الزجري، حيث تركز على ردع السلوكيات العنيفة بدلاً من معالجة مسبباتها. ورغم أهميتها في حفظ النظام، إلا أنها غالباً ما تعالج النتائج دون الأسباب، وقد تؤدي في بعض الأحيان إلى تصعيد التوتر بين الجماهير والسلطات.
- المقاربة القانونية
تعاني المقاربة القانونية من ضعف في فعاليتها الردعية في بعض الحالات، كما أنها قد لا تميز بشكل كافٍ بين التعبير المشروع عن الرأي والعنف المادي، مما يؤدي إلى ردود فعل غير متناسبة.
- المقاربة التنظيمية
تتسم هذه المقاربة بضعف في تأطير الجماهير وغياب قنوات تمثيلية رسمية للمشجعين، مما يحرمهم من المشاركة الفعالة في اتخاذ القرارات المتعلقة بالشأن الرياضي ويجعلهم يشعرون بالتهميش.
النتيجة: استمرار ظاهرة شغب الملاعب رغم تعدد التدخلات، مما يؤكد الحاجة إلى مقاربة جديدة وشاملة.
ثالثاً: إحداث الهيئات الرياضية كمدخل للإصلاح
يقترح هذا المقال إحداث هيئات رياضية مؤطرة كمدخل استراتيجي لإصلاح المنظومة الرياضية:
1. ماهية الهيئات الرياضية المقترحةتُعرف هذه الهيئات بأنها مؤسسات وسيطة تعمل كجسر بين الدولة، الأندية، والجماهير. وتتميز بـ:
◦ الاستقلال النسبي: لضمان حيادها وفعاليتها في أداء مهامها.
◦ الطابع غير السياسي: لتجنب تسييس الشأن الرياضي والحفاظ على أهدافه التربوية والاجتماعية.
◦ الوظيفة التأطيرية والتربوية: لتوجيه الجماهير نحو سلوكيات إيجابية وتعزيز الروح الرياضية.
2. وظائف هذه الهيئات
تضطلع هذه الهيئات بمجموعة من الوظائف الأساسية:
أ. التأطير الجماهيري:
تنظيم الجماهير داخل الملاعب وتقنين سلوكياتهم بما يضمن بيئة رياضية آمنة ومحترمة.
ب. الوساطة: حل النزاعات بين مختلف فئات الجماهير، والتنسيق الفعال مع السلطات العمومية والأندية لضمان انسيابية الأحداث الرياضية.
ج. التربية الرياضية: نشر قيم التسامح، الاحترام، والروح الرياضية، وتكوين قادة جماهيريين قادرين على توجيه المشجعين.
د. المشاركة في الحكامة: تمثيل الجماهير في هيئات اتخاذ القرار الرياضي، مما يضمن إدماج وجهات نظرهم واهتماماتهم في صياغة السياسات الرياضية.
رابعاً: دمقرطة الفضاء الرياضي كآلية للحد من الشغب
تُعد دمقرطة الفضاء الرياضي آلية فعالة للحد من شغب الملاعب من خلال التحولات التالية:
1. من الإقصاء إلى الإدماجيؤدي غياب التمثيلية إلى شعور الجماهير بالتهميش، مما قد يدفعهم إلى التعبير عن إحباطهم بطرق عنيفة داخل المدرجات. في المقابل، يسهم الإدماج الفعال في تعزيز الشعور بالانتماء وتحمل المسؤولية، مما يقلل من احتمالات السلوكيات السلبية.
2. من الفوضى إلى التنظيم
تكون الجماهير غير المؤطرة أكثر عرضة للانجرار نحو العنف والفوضى. بينما تسهم الهيئات المؤطرة في تنظيم الجماهير وتوجيهها، مما يجعلها أكثر انضباطاً ووعياً بمسؤولياتها.
3. من الصراع إلى التنافس
تحول دمقرطة الفضاء الرياضي العلاقة بين الجماهير والأطراف الأخرى من علاقة صراع إلى علاقة تنافس رياضي شريف. كما تعيد تعريف دور المشجع كفاعل إيجابي يسهم في إثراء التجربة الرياضية بدلاً من أن يكون مصدراً للمشاكل.
خامساً: النموذج المقترح للمغرب
لتحقيق دمقرطة الفضاء الرياضي في المغرب، يقترح المقال نموذجاً يرتكز على المحاور التالية:
1. إحداث “المجلس الوطني لتأطير الجماهير الرياضية”تُقترح هذه الهيئة كمؤسسة مستقلة تضم ممثلين عن الجماهير، الأندية، والسلطات العمومية، وتكون مهمتها الأساسية وضع السياسات العامة لتأطير الجماهير وتنسيق الجهود بين مختلف الفاعلين.
2. إحداث “روابط جماهيرية معترف بها قانونياً”
يجب أن تخضع هذه الروابط لميثاق أخلاقي واضح وتتحمل مسؤولية تنظيمية تجاه أعضائها، مما يضمن انضباطها واندماجها في المنظومة الرياضية.
3. إدماج التربية الرياضية المواطِنة
يجب إدماج مفاهيم التربية الرياضية المواطِنة في المناهج التعليمية وبرامج الأندية، لغرس قيم الروح الرياضية والتسامح منذ الصغر.
4. اعتماد مقاربة أمنية ذكية
تعتمد هذه المقاربة على الأمن الوقائي، وتحليل سلوك الجماهير، وتقليل الاحتكاك المباشر بين رجال الأمن والجماهير، مع التركيز على التوعية والتوجيه بدلاً من الردع فقط.
سادساً: التحديات والرهانات
يواجه تطبيق هذا النموذج مجموعة من التحديات والرهانات
1. خطر تسييس الهيئات: يجب ضمان استقلال هذه الهيئات عن الأحزاب السياسية وحيادها المؤسسي لتجنب تحويلها إلى أدوات سياسية.
2. إشكالية التمويل: يتطلب نجاح هذه الهيئات توفيراً لتمويل شفاف ومستدام يضمن استمراريتها وفعاليتها.
3. تحدي التغيير الثقافي: يتطلب تغيير العقليات والسلوكيات السائدة وقتاً وجهداً كبيراً، ولا يمكن تحقيقه بقرارات إدارية فقط.
سابعاً: المغرب وكأس العالم: فرصة للإصلاح
يشكل تنظيم المغرب لكأس العالم فرصة تاريخية لـ:
• تحديث الحكامة الرياضية وتطويرها بما يتماشى مع المعايير الدولية.
• تحسين صورة المغرب دولياً كبلد قادر على تنظيم الأحداث الكبرى بفعالية وأمان.
• بناء نموذج متقدم في تدبير الجماهير الرياضية يمكن أن يكون مثالاً يحتذى به في المنطقة.
خاتمة:
يمثل إحداث الهيئات الرياضية ودمقرطة الفضاء الرياضي مدخلاً استراتيجياً وضرورياً لإصلاح المنظومة الرياضية بالمغرب، والحد من ظاهرة شغب الملاعب. غير أن نجاح هذا النموذج يظل رهيناً بتبني مقاربة شمولية ومتكاملة تجمع بين التأطير الفعال، والمشاركة الحقيقية، والتربية المستمرة، بعيداً عن الحلول الأحادية ذات الطابع الزجري. إن تحقيق هذا الهدف يتطلب إرادة سياسية قوية، وتضافر جهود جميع الفاعلين، وتغييراً ثقافياً عميقاً يرسخ قيم الروح الرياضية والمواطنة المسؤولة.

