الرئيسية أحداث المجتمع لقاء إمرأتين من الزمن الجميلبديعة وسميرة في عناق حار استحضارا لروح رفيقها رشيد جبوج .

لقاء إمرأتين من الزمن الجميلبديعة وسميرة في عناق حار استحضارا لروح رفيقها رشيد جبوج .

IMG 20260424 WA0158
كتبه كتب في 24 أبريل، 2026 - 9:29 مساءً

صوت العدالة/ مروان غناج

في تلك اللحظة التي تبدو عفوية، والمشبعة في عمقها بسنوات من التجربة والرفقة، لا نكون أمام صورة عادية، بل أمام ذاكرة تتحرك داخل الزمن، ذاكرة تجسدها ابتسامتان لامرأتين عبرتا معا مراحل من التحول السياسي والفكري داخل اليسار المغربي. لقاء بديعة الراضي وسميرة الكناني هو، في جوهره، استعادة هادئة لزمن كانت فيه السياسة تصاغ بالاقتناع، وتمارس كاختيار وجودي، لا كوظيفة ظرفية.
في تلك السنوات، حين كانت منظمة العمل الديمقراطي الشعبي تشكل أحد الفضاءات الحاضنة للفكر التقدمي، لم يكن الانخراط مجرد بطاقة حزبية، بل كان انخراطا في مشروع مجتمعي واسع، يحمل هم العدالة الاجتماعية، ويؤمن بقدرة الفعل السياسي على إعادة تشكيل الواقع. داخل هذه التجربة، تبلورت علاقات إنسانية عميقة، حيث كانت الرفقة النضالية تتجاوز الإطار التنظيمي لتصبح نوعا من التواطؤ الجميل على الحلم، ومن هنا كانت الصداقات تبنى على القناعة بقدر ما تبنى على العاطفة.
ولم تكن العلاقة بين بديعة الراضي وسميرة الكناني وليدة المسار النضالي اليساري فقط، بل تعمقت أيضا عبر امتدادات إنسانية ونضالية أخرى، من بينها الصلة التي جمعت سميرة الكناني بالرفيق رشيد جبوج واللقاء المشترك بين حركة 23مارس وحركة الى الأمام ، رشيد جبوج هو زوج المناضلة بديعة الراضي. تلك العلاقة لم تكن مجرد معرفة عابرة، بل كانت جزءا من شبكة رفاقية أوسع، حيث تتداخل العلاقات الشخصية بالنضال المشترك، ويصبح البيت، كما التنظيم، فضاء لتقاسم نفس الأسئلة والرهانات. هكذا، تتشكل الروابط على نحو مركب، حيث لا يمكن فصل السياسي عن الإنساني، ولا الرفقة عن الحياة اليومية.
ومن داخل نفس الدينامية، جاءت حركة 8 مارس وجريدة انوال كامتداد ضروري لذلك الوعي، حيث لم يعد ممكنا التفكير في التغيير دون مساءلة موقع المرأة داخل المجتمع وداخل الفعل السياسي نفسه. هناك، في تلك المساحات التي كانت تنتزع انتزاعا، تشكل وعي نسائي مختلف، لا يكتفي بالمطالبة، بل يساهم في إعادة تعريف المفاهيم ذاتها: الحرية، المساواة، الكرامة.
لهذا، فإن اللقاء بين بديعة الراضي وسميرة الكناني لا يمكن فصله عن هذا النسيج المعقد من العلاقات والتجارب؛ إنه امتداد طبيعي لمسار مشترك، تشكل في القناعة باليسار ، وترسخ في الصداقة، وتعمق في تفاصيل الحياة اليومية. بديعة الراضي، بصفتها اليوم عضوا في المكتب السياسي لـالاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، تحمل معها ذاكرة مرحلة كانت فيها السياسة مشحونة بالأسئلة الكبرى، وبالرهان على الإصلاح العميق. أما سميرة الكناني، فهي ليست فقط اسما في ذاكرة اليسار، بل أيضا جسرا بين جيلين، خاصة باعتبارها والدة المهدي بنسعيد، في دلالة على أن بعض القيم، مهما تغيرت السياقات، تستمر في التسلل بهدوء عبر الأجيال.
هذه الصورة، إذن، ليست مجرد لحظة حنين، بل هي أيضا شهادة على نوع خاص من العلاقات التي صنعتها تجربة اليسار المغربي؛ علاقات لا تقوم فقط على التقاطع السياسي، بل على الثقة، والوفاء، والعيش المشترك لفكرة التغيير. في تلك النظرة المتبادلة، وفي تلك الابتسامة التي تحمل شيئا من الطمأنينة وشيئا من المعرفة الصامتة، يمكن قراءة تاريخ كامل من النقاشات، من الخيبات، من الانتصارات الصغيرة، ومن الإيمان العميق بأن التغيير، مهما بدا بطيئا، يظل ممكنا.

مشاركة