الرئيسية غير مصنف     التأجيل لكشف الحقيقة… المحكمة ترجّح التمحيص على السرعة في ملف “المرحوم بدر”

    التأجيل لكشف الحقيقة… المحكمة ترجّح التمحيص على السرعة في ملف “المرحوم بدر”

IMG 0102
كتبه كتب في 23 أبريل، 2026 - 8:17 صباحًا

بقلم: عزيز بنحريميدة – مدير جريدة صوت العدالة

وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون”… ليست مجرد آية تُتلى، بل هي ملاذ كل قلب أنهكته الفواجع، وكل روح تبحث عن عزاء وسط ركام الألم.

يعود ملف بدر وأشرف صديق إلى الواجهة من جديد، في واحدة من أكثر القضايا التي استأثرت باهتمام الرأي العام،لا من باب الإثارة، بل من زاوية دقيقة تمس جوهر الحقيقة: الخبرة الطبية.
فقد كشف دفاع المتهم أشرف صديق عن غياب صفحة من تقرير الخبرة، وهو معطى لم يمر مرور الكرام، لما قد يحمله من تفاصيل حاسمة في تحديد السبب الحقيقي للوفاة. طلبٌ تقدّم به وتمسك به الدفاع في شخص المحامي الاستاذ اليقيني وزكاه زميله المحامي الاستاذ زهراش يلتمس مهلة للاطلاع والترجمة، استجابت له هيئة المحكمة برحابة صدر، في مشهد يعكس حرص القضاء على استجلاء الحقيقة كاملة غير منقوصة.

في المقابل، لم يخفِ دفاع الضحية بدر معارضته الشديدة، معتبراً الخطوة محاولة لإطالة أمد القضية وكسب الوقت. غير أن المحكمة، في تقديرها السيادي، اختارت أن تُنصت لصوت العدالة لا لضغط الزمن، إيماناً منها بأن الحقيقة لا تُبنى على الاستعجال، بل على التمحيص والتدقيق.

وغير بعيد عن قاعة المحكمة، حيث تُتلى الدفوع وتُناقش الحجج، هناك قاعات أخرى لا تُرى… قاعات القلوب المنهكة، حيث يعيش الآباء والأمهات مأساة لا تنتهي.
هؤلاء لا يملكون ترف الحداد الذي ينتهي، ولا عزاء القبول الذي يخفف، بل يعيشون كل يوم على إيقاع سؤال واحد: هل كان يمكن أن يكون المصير مختلفاً؟

من فقد عزيزاً، فقده مرة واحدة… موجعة، قاسية، لكنها محددة في الزمن.
أما من له ابن خلف القضبان، يواجه حكماً ثقيلاً أو ينتظر مصيراً مجهولاً، فهو يفقده كل يوم، كل ساعة، بل كل دقيقة.
يراه في ذاكرته طفلاً، ويستحضره شاباً، ثم يصطدم بحقيقة أنه اليوم رقم في ملف، أو اسم في لائحة المعتقلين.

الخوف الذي يسكن هذه العائلات ليس عادياً…
إنه خوف مركب:
خوف من حكم قد يكون قاسياً،
وخوف من نظرة مجتمع لا يرحم،
وخوف أكبر من مستقبل ضاع في لحظة طيش.

الأمهات هناك لا يبكين فقط… بل يذبلن بصمت.
والآباء، مهما حاولوا التماسك، يحملون في أعماقهم انكساراً لا يُرى.
كل زيارة للسجن هي طعنة، وكل مغادرة له هي جرح جديد.
يتركون أبناءهم خلف الأبواب الثقيلة، ويعودون بأرواح مثقلة بالأسئلة والندم والدعاء.

وفي قلب هذه المعاناة، تتضاعف قسوة ما يُتداول خارج أسوار العدالة…
أخبار، تعليقات، أحكام جاهزة، وكأن القضية حُسمت في منصات التواصل قبل أن تُحسم في المحكمة.
وهو ما يزيد من عزلة هذه العائلات، ويجعلها تعيش محنة مزدوجة: محنة القضاء، ومحنة المجتمع.

صحيح أن الموت فاجعة لا تضاهى، ولا يمكن لأي قلم أن يهون من ألم فقدان إنسان،
لكن الحقيقة الأخرى، التي لا يجب أن تُهمّش، هي أن المعاناة داخل السجون لا تموت… بل تعيش وتتجدد، وتنعكس يومياً على عائلات تنتظر، تصبر، وتتشبث بخيط أمل مهما كان رفيعاً.

في نهاية المطاف، يبقى الجميع ضحايا لحظة طيش واحدة… لحظة انفلت فيها كل شيء، وتحولت دقائق معدودة إلى سنوات من الألم.
وإن كان القضاء هو الفيصل، فإن الرحمة تبقى واجباً إنسانياً، لا يتعارض مع العدالة، بل يكملها.

رحم الله من رحل،
وفرّج كرب من ابتُلي،
وألهم كل القلوب المكلومة صبراً يليق بثقل هذه المحنة

إنها قصة بدأت بدقائق عابرة، واقعة بسيطة تحولت في لحظات إلى مأساة إنسانية بكل المقاييس. دقائق من الطيش كانت كافية لتغيير مصير أسر بأكملها، ولزرع الألم في قلوب آباء وأمهات لم يكونوا يوماً يتصورون أنهم سيجدون أنفسهم بين جدران المحاكم، أو خلف أسوار السجون.

ولا يمكن إغفال الدور الذي لعبه بعض الإعلام، حين انزلق من نقل الخبر إلى صناعة الرواية، وساهم—عن قصد أو غير قصد—في تأجيج المشاعر، وتوسيع الفجوة بين العائلات، عبر تداول معطيات غير دقيقة، غذّت الشكوك وزادت من تعقيد المشهد.

اليوم، يقف الجميع أمام حقيقة مرة:
الضحية رحل، ولا شيء سيعيده،
والمتهمون يواجهون مصيراً ثقيلاً،
والعائلات… جميعها تدفع الثمن.

في مثل هذه اللحظات، لا يبقى سوى الأمل في عدالة منصفة، وعدالة فقط، تُنصف المظلوم ، وتُحدد المسؤوليات وفق القانون، بعيداً عن الضجيج والضغط والانفعال.
ولعل الأيام، رغم قسوتها، تحمل شيئاً من السكينة لمن أنهكتهم هذه المحنة.

وفي خضم هذا الزخم من المستجدات والتأويلات، تبقى كلمة أخيرة لا بد أن تُقال…
إن هذا الملف، بكل تعقيداته وآلامه، ليس مباراة تُحسم برابح وخاسر، بل هو مأساة إنسانية متعددة الوجوه، ضحيتها الأولى إنسان فقد حياته، وضحاياها أيضاً عائلات تعيش يومياً على وقع الانتظار والخوف والانكسار.

من هنا، فإن المسؤولية الأخلاقية للإعلام اليوم أكبر من أي وقت مضى؛
مسؤولية تفرض التحلي بأقصى درجات المهنية، والدقة، واحترام قرينة البراءة، وتجنب السقوط في فخ الإثارة أو تصفية الحسابات على حساب الحقيقة.
فالكلمة قد تُنصف… وقد تظلم،
والخبر قد يُضيء الطريق… أو يزيد الجراح عمقاً.

إن عائلات الضحية تستحق التعاطف والدعم،
كما أن عائلات المتهمين تستحق بدورها الإنصاف والرحمة،
فالجميع، دون استثناء، يرزح تحت ثقل هذه الفاجعة.

رحم الله المرحوم بدر رحمة واسعة،
ونسأل الله أن يُلهم ذويه جميل الصبر والسلوان،
وأن يُفرّج كرب عائلات المعتقلين، ويمنحهم من الصبر ما يعينهم على قسوة الانتظار.

وفي النهاية، لا نملك إلا أن نُجدد الإيمان بأن العدالة وحدها هي الكفيلة بكشف الحقيقة،
بعيداً عن الضجيج… وقريباً من ضمير القانون.

مشاركة