بقلم: الدكتور عبدالرحيم موهوب.
علم الاجتماع السياسي.
إن أخطر ما يمكن أن يفعله المجتمع ليس أن يخطئ في الحكم، بل أن يسبق الحكم نفسه، هي عبارة تختزل كما يرى جان جاك روسو تلك اللحظة التي تتحول فيها الجماعة من إطار للحماية إلى أداة للإدانة، حيث لا يترك للفرد أن يبرئ نفسه بل يطلب منه أن ينجو من صورة رسمت له سلفا، وفي امتداد هذا المعنى كان فولتير يحذر من أن الظلم الذي يمارسه الجميع يصبح أكثر قسوة لأنه لا يجد من يعارضه، وهو ما يجعل الإدانة الجماعية حين تتشكل خارج منطق الدليل أشد وطأة من أي حكم قضائي.
في هذا السياق المشحون بالصور والانطباعات، برز اسم أشرف الصديقي داخل ما تم تداوله إعلاميا تحت توصيف قضية ولد الفشوش، وهو توصيف لم يكن بريئا في بنيته ولا محايدا في أثره، بل كان بمثابة مفتاح رمزي أعاد من خلاله تشكيل إدراك الواقعة برمتها، فالمصطلح ذاته يحمل شحنة جاهزة تحيل إلى الامتياز واللامبالاة والتمرد وهو ما يجعل المتلقي لا يرى شخصا بملف معروض أمام القضاء، بل يرى صورة اجتماعية مكتملة قبل أن تبدأ عملية الفحص.
وقد بين ميشيل فوكو أن الخطاب لا يكتفي بنقل الواقع بل يعيد إنتاجه، بحيث تتحول بعض الروايات إلى حقائق بفعل تكرارها لا بدقتها وهذا ما يتجلى بوضوح في هذه القضية، حيث تبنت بعض المنابر رواية واحدة قدمت فيها المتهم باعتباره الفاعل الحاسم، دون أن تعكس التعقيد الذي تحمله معطيات الملف ولا التناقضات التي شابت التصريحات، ولا الإشكالات الجوهرية المرتبطة بتحديد من كان يقود السيارة في اللحظة الحاسمة.
إن ما وقع كما تعكسه الوقائع لم يكن لحظة بسيطة يمكن اختزالها في سردية واحدة، بل كان مشهدا متشابكا يتداخل فيه لقاء ليلي وتنقل بين بوسكورة وعين الذئاب، واستهلاك للكحول وبعض المواد المخدرة، وتداخل في العلاقات بين المتهمين، ووصول إلى مرآب مطعم ماكدونالدز واحتكاك بسبب تحرش بفتيات، وتدخل الضحية بدر في هذا، واندلاع شجار جماعي وانسحاب المتهم أشرف الصديقي الذي ألصقت به المواقع الاجتماعية والاعلامية عبارة ولد الفشوش، وسقوط الضحية مغمى عليه بعد تعرضه للضرب، وتدخل أطراف متعددة ثم انسحاب نحو السيارة والخروج الممكن من مكان تجمع الأشخاص في لحظة تداخل فيها الخوف والارتباك والسرعة.
ففي مثل هذه اللحظات كما يوضح عالم الاجتماع إميل دوركايم لا يتصرف الأفراد بوصفهم ذواتا مستقلة، بل بوصفهم جزءا من تيار جمعي يفرض إيقاعه الخاص، حيث تتراجع القدرة على التقدير الفردي أمام ضغط اللحظة، وهو ما يجعل تفسير الأفعال في سياقها أمرا ضروريا لا مجرد الاكتفاء بنتيجتها.
لقد أشار الشريط المصور وهو صامت إلى حركة سيارة تتجه نحو تجمع بشري، لكن صمته ذاته يفتح باب الاحتمال على سؤال جوهري مؤداه، هل استعمل السائق المنبه؟ و هل كانت الأضواء القوية وسيلة لتنبيه الحاضرين؟ وهل كان السائق على علم بوجود شخص ممدد على الأرض وسط هذا الاضطراب؟ فهذه الأسئلة ليست تفصيلا بل هي جوهر التقييم، لأن القصد لا يستنتج من النتيجة وحدها بل من تفاعل الإرادة مع الظروف.
ويكشف سولومون آش في تجاربه أن الإنسان قد يغير إدراكه تحت ضغط الجماعة حتى لو كان الواقع أمامه مختلفا، وهو ما يفسر كيف يمكن لرواية إعلامية متكررة أن تتحول إلى عدسة يعاد من خلالها تفسير كل الوقائع. فتصبح السرعة دليلا على القصد، ويهمل احتمال الخوف من تدخل أمني، ويفسر الاختراق كفعل هجومي دون اعتبار لإمكانية كونه محاولة للفرار في وضع مضطرب.
وأما ستانلي ميلغرام فقد أبرز أن الأفراد قد يخضعون لسلطة رمزية دون وعي، وفي الحالة الإعلامية تتحول بعض المنابر إلى مرجعية تفرض تفسيرا جاهزا فيميل المتلقي إلى تبنيه دون مساءلة خصوصا حين يتكرر بنفس النبرة والحسم.
وفي العمق الإنساني يذكر سيغموند فرويد أن الإنسان لا يستقبل الوقائع بعقل بارد بل عبر شبكة من الانفعالات والصور، وعندما يقدم المتهم في قالب نمطي فإن هذا القالب يستقر في اللاوعي، ويصبح من الصعب تفكيكه لاحقا حتى لو ظهرت معطيات تناقضه.
غير أن ما يكشفه الملف كما تمت مناقشته هو وجود تناقضات حقيقية، فهناك اختلاف في تحديد من كان السائق، وتراجع بعض المتهمين عن تصريحاتهم، وتضارب في سرد لحظة الدهس، وتعدد الفاعلين في الاعتداء الأول، وغياب دليل قاطع على أن السائق كان على علم بوجود الضحية ممددا أمام السيارة. بل إن بعض التصريحات تشير إلى حالة فقدان للتركيز بسبب الاستهلاك وإلى حالة ارتباك شديدة، وهو ما يطرح تساؤلا جوهريا حول مدى إمكانية توافر القصد الجنائي في مثل هذا السياق.
ويذهب بيار بورديو إلى أن السلطة الرمزية قادرة على فرض رؤية للعالم تصبح بديهية بحيث لا ترى كوجهة نظر بل كحقيقة، وهذا ما حدث حين تم تثبيت صورة القاتل في الوعي العام قبل أن يحسم الجدل حول عناصر الفعل ذاته.
وأما جون لوك فقد وضع قاعدة لا تزال مركزية، وهي أنه لا يدان الإنسان إلا بما يثبت عليه بيقين، وهذه القاعدة حين تستحضر في هذه القضية تفرض طرح أسئلة لا يمكن القفز عليها، وهي هل ثبت بشكل قطعي أن أشرف الصديقي هو من كان يقود السيارة لحظة الدهس؟ وهل ثبت أن السائق كان يعلم بوجود الضحية على الأرض؟ وهل يمكن الجزم بأنه كان يقصد إزهاق الروح، أم أن ما وقع يمكن تفسيره كفعل غير متبصر في سياق ارتباك وخوف؟
إن تحويل واقعة مركبة إلى رواية واحدة مغلقة لا يخدم الحقيقة بقدر ما يخدم الحاجة إلى اليقين السريع، لكن الحقيقة بطبيعتها لا تختزل بل تبنى عبر تفكيك التفاصيل ومواجهة التناقضات وترك المجال للشك المشروع، فالشك كما قال رينيه ديكارت، ليس ضعفا بل طريق إلى اليقين.
إن أخطر ما يمكن أن يحدث ليس أن يخطئ القضاء بعد بحث، بل أن يصادر هذا البحث تحت ضغط صورة جاهزة، لأن الإنسان لا يقاس بما يقال عنه في لحظة الانفعال الجماعي بل بما يثبت عليه في لحظة التروي، وبين اللحظتين تقف العدالة لا كسلطة للحكم بل كضمانة ضد التسرع، وضد تلك الرغبة الخفية في تحويل الشك إلى يقين، والاحتمال إلى إدانة، والإنسان إلى صورة لا تسمح له بالدفاع عن نفسه.

