بقلم: عزيز بنحريميدة – مدير جريدة صوت العدالة
في سياق تسليط الضوء على الكفاءات القضائية الوطنية التي تشكل دعامة أساسية لدولة الحق والقانون، يبرز اسم الأستاذ جمال غولبن، رئيس المحكمة الابتدائية بوجدة، كأحد الوجوه القضائية التي استطاعت أن تفرض حضورها بهدوء الكبار، وبمنهجية قوامها الصرامة القانونية والانفتاح المؤسساتي.
مسار الأستاذ جمال غولبن لم يكن عادياً أو تقليدياً، بل هو امتداد طبيعي لتراكم علمي ومهني رصين، تشكل عبر سنوات من التكوين الأكاديمي المتين، الذي منحه أدوات تحليل قانوني عميق، وقدرة على استيعاب التحولات المتسارعة التي يعرفها الحقل القضائي، سواء على مستوى التشريع أو الممارسة. هذا التكوين لم يبق حبيس الجانب النظري، بل تُرجم على أرض الواقع من خلال ممارسات قضائية دقيقة، تحترم روح القانون وتوازن بين حماية الحقوق وضمان الأمن القانوني.
وقد بصم الأستاذ جمال غولبن على مسار مهني متدرج ومتميز، انطلق من ترأسه لكل من محكمتي بولمان وتازة، حيث راكم تجربة ميدانية غنية داخل فضاءات قضائية تعرف خصوصيات اجتماعية وقانونية دقيقة. هناك، اشتغل في تماس مباشر مع قضايا المواطنين اليومية، واكتسب خبرة عملية عميقة في تدبير الملفات، وفهماً واقعياً لتعقيدات النزاعات، مما صقل شخصيته القضائية ورسخ لديه ثقافة الإنصات والإنصاف.
هذه المحطات لم تكن مجرد مراحل عابرة، بل شكلت مدرسة حقيقية في تكوينه المهني، إذ مكنته من الإلمام بتفاصيل العمل القضائي في مختلف تجلياته، ومن بناء رصيد من الثقة مع مختلف مكونات العدالة، وهي الثقة التي رافقته في مساره اللاحق، وصولاً إلى تقلده مسؤولية رئاسة المحكمة الابتدائية بوجدة.
وعلى مستوى التدبير القضائي، استطاع رئيس المحكمة الابتدائية بوجدة أن يرسم لنفسه أسلوباً خاصاً، يقوم على القرب من مختلف الفاعلين داخل منظومة العدالة، من قضاة وموظفين، إلى محامين ومساعدي القضاء، بل وحتى المرتفقين. فقد أبان عن قدرة كبيرة على بناء جسور الثقة والتواصل، وهو ما انعكس إيجاباً على مناخ العمل داخل المحكمة، وساهم في تعزيز النجاعة القضائية وجودة الخدمات المقدمة.
إن العلاقة المتينة التي نسجها الأستاذ جمال غولبن مع مختلف مكونات العدالة لم تكن وليدة المجاملة أو البروتوكول، بل هي ثمرة قناعة راسخة بأن العدالة منظومة متكاملة لا يمكن أن تؤدي رسالتها إلا بتكامل أدوار جميع المتدخلين فيها. لذلك، ظل حريصاً على تكريس ثقافة التعاون والتنسيق، في إطار احترام استقلالية كل مكون، بما يخدم في نهاية المطاف مصلحة المتقاضي.
كما يُسجل للرجل اهتمامه الواضح بتحديث أساليب العمل داخل المحكمة، ومواكبة ورش الرقمنة، بما ينسجم مع التوجهات الوطنية الرامية إلى تطوير الإدارة القضائية وتبسيط المساطر، وتقريب العدالة من المواطن. وهي رؤية تعكس وعياً عميقاً بضرورة الانتقال من عدالة تقليدية إلى عدالة عصرية قائمة على النجاعة والشفافية.
ولا يمكن الحديث عن الأستاذ جمال غولبن دون التوقف عند خصاله الإنسانية، التي جعلت منه نموذجاً للقاضي المتوازن، الذي يجمع بين هيبة المنصب وتواضع السلوك، وبين صرامة القانون وروح الإنصاف. وهي صفات لا تُكتسب فقط بالتجربة، بل تنبع من قناعة داخلية برسالة القضاء كأمانة ومسؤولية قبل أن تكون سلطة.
إن ما يميز تجربة رئيس المحكمة الابتدائية بوجدة، هو هذا الجمع المتناغم بين التكوين العلمي الرصين، والخبرة الميدانية التي راكمها منذ محاكم بولمان وتازة، والقدرة على التدبير والتواصل، وهي عناصر تجعل منه أحد الأطر القضائية التي تسهم في ترسيخ ثقة المواطن في العدالة، وتعزيز صورة القضاء كملاذ للإنصاف وحماية الحقوق.
لتبقى مثل هذه الكفاءات الوطنية رهاناً حقيقياً لمواصلة الإصلاح، وبناء قضاء قوي، مستقل، وقريب من المواطن… قضاء يليق بدولة الحق والقانون.

