بقلم: الدكتور عبدالرحيم موهوب.
يعد التحكيم في جوهره العميق آلية بديلة لتسوية المنازعات قوامها الإرادة الحرة للأطراف، ومجالها الطبيعي هو الانفلات من القيود الشكلية التي تطبع القضاء الرسمي، دون أن يعني ذلك الانفصال عن الضوابط القانونية التي تضمن نزاهته وفعاليته، ومن هذا المنطلق جاء القانون رقم 95.17 المتعلق بالتحكيم والوساطة الاتفاقية في سياق تحديث المنظومة القانونية المغربية، مستهدفا إرساء توازن دقيق بين متطلبات التأطير المؤسساتي من جهة، وضمان حرية الأطراف من جهة أخرى، غير أن القراءة المتأنية لمقتضيات هذا القانون تكشف عن توتر ظاهر بين نزعة تنظيمية تجلت في إحداث قائمة للمحكمين، وبين فلسفة ليبرالية أعادت الاعتبار لسلطان الإرادة.
لقد أقر المشرع بموجب المادة 12 من القانون المذكور نظاما خاصا قوامه إحداث قائمة للمحكمين، تقيد فيها أسماء الأشخاص الذاتيين الذين يزاولون مهام التحكيم بصفة اعتيادية أو في إطار مهني، سواء بشكل فردي أو ضمن شخص اعتباري، ويستشف من هذا التوجه أن المشرع سعى إلى إضفاء نوع من المهنية على وظيفة التحكيم، بما يضمن حدا أدنى من الكفاءة العلمية والتأهيل القانوني، خصوصا وأن النص التنظيمي الصادر بتاريخ 23 ماي 2024 قد حدد شروطا دقيقة للتسجيل، من بينها ضرورة التوفر على شهادة الإجازة على الأقل فضلا عن تقديم وثائق تثبت الخبرة والتجربة.
غير أن هذا التوجه ورغم ما يحققه من أهداف تتعلق بضبط جودة المحكمين وتأهيلهم فإنه يثير إشكالات فقهية وقانونية عميقة، ولعل أبرزها مدى انسجامه مع الطبيعة الرضائية للتحكيم، ففرض التسجيل المسبق في قائمة محددة قد يفهم على أنه تقييد لحرية الأطراف في اختيار من يرونه مناسبا للفصل في نزاعهم وهو ما يتعارض مع أحد المبادئ الأساسية التي يقوم عليها التحكيم والمتمثل في سلطان الإرادة، وقد عبر الفقه المقارن عن هذا التخوف معتبرا أن الإفراط في تقنين التحكيم قد يؤدي إلى قضأنة التحكيم وتحويله إلى نسخة موازية من القضاء الرسمي بما يفقده مرونته وخصوصيته.
وفي هذا السياق يبرز الدور التصحيحي الذي اضطلعت به المادة 13 من نفس القانون، والتي يمكن اعتبارها بمثابة صمام أمان تشريعي أعاد الأمور إلى نصابها، فقد نصت هذه المادة صراحة على إمكانية تعيين المحكمين من خارج القائمة المشار إليها، سواء من طرف الأطراف أنفسهم أو من طرف رئيس المحكمة المختصة عند الاقتضاء، وهو ما يعني أن الإلزام الوارد في المادة 12 ليس مطلقا بل يظل نسبيا ومقيدا بحدود الوظيفة الاعتيادية أو المهنية للمحكم، دون أن يمتد إلى حالات التعيين العرضي أو الاختياري.
ويفهم من هذا التوجه أن المشرع المغربي حاول التوفيق بين منطقين متعارضين ظاهريا، حيث منطق التنظيم الذي يهدف إلى ضمان جودة المحكمين وتأهيلهم، ومنطق الحرية الذي يشكل جوهر التحكيم، فالقائمة في هذا الإطار لا تعد قيدا مانعا بل إطارا مرجعيا يمكن اللجوء إليه دون أن يكون ملزما، وهو ما ينسجم مع الاتجاهات الحديثة في التشريعات المقارنة التي تميل إلى اعتماد قوائم استرشادية دون فرضها بشكل إلزامي.
وأما على مستوى العمل القضائي فإن محكمة النقض المغربية دأبت على التأكيد في قراراتها على الطابع التعاقدي للتحكيم، وعلى أولوية إرادة الأطراف في تحديد مسطرة التحكيم واختيار محكميهم. وقد اعتبرت في أكثر من مناسبة أن اتفاق التحكيم هو شريعة المتعاقدين، وأن تدخل القضاء يجب أن يظل استثنائيا ومحدودا في إطار ما يقرره القانون، وهو توجه يعزز قراءة المادة 13 باعتبارها تكريسا صريحا لحرية الأطراف ويضعف أي تأويل قد يفضي إلى فرض قيد شكلي على اختيار المحكمين.
ولا يخفى أن هذا التوازن التشريعي يطرح تحديات عملية، خاصة فيما يتعلق بتحديد نطاق المزاولة الاعتيادية لمهام التحكيم، ومدى خضوع بعض الفاعلين لهذا القيد، كما يثير تساؤلات حول مدى فعالية القائمة في تحقيق أهدافها في ظل إمكانية تجاوزها بسهولة عبر الاتفاق بين الأطراف، غير أن هذه الإشكالات لا تقلل من أهمية التوجه العام للقانون، الذي يسعى إلى إرساء نموذج تحكيمي يجمع بين المهنية والمرونة وبين التأطير والحرية.
إن التحكيم كما قال الفقيه الفرنسي جان روبير ليس مجرد تقنية قانونية بل هو فلسفة قائمة على الثقة في إرادة الأفراد وقدرتهم على تدبير نزاعاتهم بأنفسهم، ومن هذا المنظور فإن أي تدخل تشريعي يجب أن يقاس بمدى احترامه لهذه الفلسفة لا بمدى إحكامه للقيود، وهو ما يبدو أن المشرع المغربي قد استوعبه حين أقر قائمة للمحكمين ثم عاد ليفرغها من طابعها الإلزامي عبر نص صريح يعيد الاعتبار لحرية الاختيار.
وبذلك يمكن القول إن القانون 95.17 قد رسم معالم مقاربة مزدوجة تزاوج بين منطق الضبط ومنطق التحرير، دون أن يضحي بأحدهما على حساب الآخر. وهي مقاربة وإن كانت قابلة للنقاش والتطوير، فإنها تعكس وعيا تشريعيا متقدما بطبيعة التحكيم وحدوده، وتفتح المجال أمام اجتهاد قضائي وفقهي يسهم في بلورة نموذج مغربي متميز في هذا المجال.

