بقلم: عزيز بنحريميدة – مدير جريدة صوت العدالة
بعد الاطلاع المتأني على مجريات جلسات الاستئناف، يتبيّن أن الملف لا يزال حبلى بتفاصيل دقيقة كان بالإمكان أن تُناقش بعمق أكبر، خاصة في ما يتعلق بموقع أشرف صديق داخل تسلسل الأحداث، ومدى حضوره الفعلي في لحظة الشجار الأولى.
فالمثير في هذه المرحلة، أن المتهمين الثلاثة أنفسهم عادوا ليؤكدوا، خلال الجلسة، أن أشرف لم يكن حاضراً أثناء واقعة الاعتداء الجسدي التي تعرّض لها المرحوم بدر، وهي النقطة التي يجب ان تُعيد ترتيب المسؤوليات من أساسها، وتفتح الباب أمام قراءة مختلفة قد تميل نحو انتفاء أي مساهمة مباشرة له في الشق الأول من الجريمة.
ويزداد هذا المعطى قوة حين نضعه في سياق ما وثّقه شريط الفيديو، الذي يُظهر – بحسب ما تم عرضه ومناقشته – أن المتهمين سمرة وزويتة وأمين رياض تناوبوا على ضرب الضحية بدر بشكل واضح، وهو ما لم يقتصر على التسجيل فقط، بل أكدته أيضاً تصريحاتهم أمام المحكمة، وأقرته شهادات الشهود والمصرحين، بما يجعل واقعة الاعتداء الجسدي ثابتة في حقهم بشكل لا يترك مجالاً كبيراً للجدل.
في المقابل، يظل الشق المرتبط بعملية الدهس محاطاً بقدر كبير من الغموض، سواء من حيث هوية السائق أو ظروف التنفيذ. فالكاميرا المثبتة، وفق المعطيات المتداولة، لا تقدم صورة حاسمة في تحديد الفاعل، كما أن روايات المتهمين والشهود والمصرحين جاءت متضاربة في هذا الجانب، حيث تشير بعض الشهادات إلى أن أمين رياض هو من كان يقود السيارة، في حين ذهبت تصريحات أخرى في اتجاه مغاير.
هذا التضارب، مقروناً بعدم وضوح الدليل التقني القاطع، يطرح إشكالاً قانونياً جوهرياً، يرتبط بقاعدة أساسية في القانون الجنائي، مفادها أن الشك يُفسَّر لفائدة المتهم، وليس ضده. وهي قاعدة لا يمكن تجاوزها أو الالتفاف عليها، مهما كانت حساسية الملف أو ضغط الرأي العام.
ومن هنا، فإن كل هذه العوامل مجتمعة تفتح، من الناحية القانونية، باباً مشروعاً للحديث عن براءة أشرف صديق، في ظل غياب اليقين القضائي الكافي لإسناد الفعل إليه، خاصة في ظل تضارب التصريحات، وتعارض القرائن، وعدم وجود دليل حاسم يضعه بشكل قطعي خلف مقود السيارة لحظة وقوع الدهس.
وفي خضم هذا النقاش، يبرز سؤال محرج لجزء من وسائل الإعلام: لماذا يتم التركيز، في العناوين والتغطيات، على اسم أشرف صديق تحديداً، وتقديمه في صورة الفاعل الرئيسي، رغم أن دوره في الواقعة يلفه غموض كبير، وتحيط به روايات متناقضة وقرائن غير حاسمة؟
أليس من الأجدر، مهنياً وأخلاقياً، تقديم صورة متكاملة تعكس أن الجريمة – كما تشير معطيات الملف – ارتكبها عدة أطراف، كل حسب درجة مساهمته، بدل اختزالها في شخص واحد؟
إن العدالة الجنائية لا تقوم على الانتقاء، ولا على صناعة “متهم مركزي” تُبنى عليه كل الروايات، بل على تفكيك دقيق للأحداث، ومساءلة كل طرف وفق أفعاله الثابتة، دون زيادة أو نقصان.
وفي المقابل، يظل سؤال نوجهه لوالدة الضحية في عمقه الإنساني والقانوني: لماذا لا يتم بنفس الزخم تسليط الضوء على من قاموا بالاعتداء الجسدي الذي وُصف بأنه كان عنيفاً ومؤثراً في النتيجة؟ ولماذا التركيز بانتقائية على اشرف صديق كمرتكب وحيد للجريمة ؟وهل يمكن فعلاً فهم مسار الحقيقة دون وضع هذا الشق في قلب النقاش؟
إنها لحظة دقيقة، تتطلب من القضاء أعلى درجات اليقظة، ومن الإعلام قدراً أكبر من المسؤولية، لأن الحقيقة لا تُبنى على ما نريد أن نراه، بل على ما تثبته الوقائع كما هي… كاملة، دون انتقاء أو توجيه

